تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
فَإِنَّهُمَا فِي الْعُرْفِ لَا يَحْتَاجَانِ أَنْ يُعَاقِدَاهُ عَلَى الْأَوَّلِ ، بِثَمَنٍ يُمَيِّزَهُ ، ثُمَّ يَبْتَاعَا بِهِ ، وَإِنَّمَا يُقَوِّمَانِ السِّلْعَتَيْنِ لِيَعْرِفَا مِقْدَارَهُمَا ، وَلَوْ قَالَ لَهُ بِعْتهَا بِكَذَا وَكَذَا . أَوْ ابْتَعْت مَثَلاً هَذِهِ بِهَذَا الثَّمَنِ لَعُدَّ هَذَا لَاعِباً عَابِثاً قَائِلاً مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ الشِّرَاءُ مِنْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ بِثَمَنٍ يَمْلِكُهُ حَقِيقَةً ، ثُمَّ يَبْتَاعُ بِهِ مِنْ الْآخَرِ فَكَذَلِكَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ مِنْهُ بِالثَّمَنِ مِنْ جِنْسِهَا كَيْفَ يَأْمُرُهُ الشَّارِعُ بِشَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ فَائِدَةٌ ؟ وَمِنْهَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعاً لَمْ يَكُنْ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا حِكْمَةٌ إلَّا تَضْيِيعُ الزَّمَانِ ، وَإِتْعَابُ النَّفْسِ بِلَا فَائِدَةٍ . فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَنْ يَبْتَاعَ رِبَوِيّاً بِأَكْثَرَ مِنْهُ مِنْ جِنْسِهِ إلَّا قَالَ بِعْتُك هَذَا بِكَذَا وَابْتَعْت مِنْك هَذَا بِهَذَا الثَّمَنِ . فَلَا يَعْجِزُ أَحَدٌ عَنْ اسْتِحْلَالِ رِباً حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ قَطُّ ، فَإِنَّ الرِّبَا فِي الْبَيْعِ نَوْعَانِ : رِبَا الْفَضْلِ . وَرِبَا النَّسِيئَةِ ، فَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَيُمْكِنُهُ فِي كُلِّ مَالٍ رِبَوِيٍّ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذَا الْمَالَ بِكَذَا وَيُسَمِّيَ مَا شَاءَ ، ثُمَّ يَقُولَ ابْتَعْت هَذَا الْمَالَ الَّذِي هُوَ مِنْ جِنْسِهِ ، وَأَمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ بِعْتُك هَذِهِ الْحَرِيرَةَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، أَوْ عِشْرِينَ صَاعاً إلَى سَنَةٍ وَابْتَعْتهَا مِنْك بِتِسْعِمِائَةٍ حَالَّةٍ ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ . وَيُمْكِنُهُ رِبَا الْقَرْضِ فَلَا يَشَاءُ مُرْبٍ إلَّا أَقْرَضَهُ ، ثُمَّ حَابَاهُ فِي بَيْعٍ أَوْ إجَارَةٍ ، أَوْ مُسَاقَاةٍ ، أَوْ أَهْدَى لَهُ ، أَوْ نَفَعَهُ ، وَيَحْصُلُ مَقْصُودُهُمَا مِنْ الزِّيَادَةِ فِي الْقَرْضِ ، فَيَا سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ أَيَعُودُ الرِّبَا الَّذِي قَدْ عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَهُ فِي الْقُرْآنِ وَأَوْجَبَ مُحَارَبَةَ مُسْتَحِلِّهِ ، وَلَعَنَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِأَخْذِهِ ، وَلَعَنَ آكِلَهُ وَمُوكِلَهُ وَشَاهِدَيْهِ وَكَاتِبَهُ ، وَجَاءَ فِيهِ مِنْ الْوَعِيدِ مَا لَمْ يَجِئْ فِي غَيْرِهِ إلَى أَنْ يُسْتَحَلَّ جَمِيعُهُ بِأَدْنَى سَعْيٍ مِنْ غَيْرِ كُلْفَةٍ أَصْلاً إلَّا بِصُورَةِ عَقْدٍ هِيَ عَبَثٌ وَلَعِبٌ يَضْحَكُ مِنْهَا وَيَسْتَهْزِئُ بِهَا ؟ أَمْ يَسْتَحْسِنُ مُؤْمِنٌ أَنْ يَنْسُبَ نَبِيّاً مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَضْلاً عَنْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ . بَلْ أَنْ يَنْسُبَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إلَى أَنْ يُحَرِّمَ هَذِهِ الْمَحَارِمَ الْعَظِيمَةَ ، ثُمَّ يُبِيحَهَا بِضَرْبٍ مِنْ الْعَبَثِ وَالْهَزْلِ الَّذِي لَمْ يُقْصَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَيْسَ فِيهِ مَقْصُودُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ قَطُّ . وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْمُرْبِينَ مِنْ الصَّيَارِفِ قَدْ جَعَلَ عِنْدَهُ خَرَزَةَ ذَهَبٍ فَكُلُّ مَنْ جَاءَ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ فِضَّةً بِأَقَلَّ مِنْهَا لِكَوْنِهَا مَكْسُورَةً ، أَوْ مِنْ نَقْدٍ غَيْرِ نَافِقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ لَهُ الصَّيْرَفِيُّ : بِعْنِي هَذِهِ الْفِضَّةَ بِهَذِهِ الْخَرَزَةِ ، ثُمَّ يَقُولُ ابْتَعْت هَذِهِ الْخَرَزَةَ بِهَذِهِ الْفِضَّةِ . أَفَيَسْتَجِيزُ رَشِيدٌ أَنْ يَقُولَ : إنَّ الَّذِي حَرَّمَ بَيْعَ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلاً أَحَلَّ تَحْصِيلَ الْفِضَّةِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 136 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا