الْبَيْعِ وَمَوَانِعِهِ ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ ذِكْرُ الْحُكْمِ عَلَى وَجْهِ الْجُمْلَةِ .
أَوْ لِأَنَّ الْمُخَاطَبَ يَفْهَمُ الْبَيْعَ الصَّحِيحَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ فَلَا مَعْنَى لِلِاحْتِجَاجِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَفْيِ شَرْطٍ مَخْصُوصٍ كَمَا لَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى نَفْيِ سَائِرِ الشُّرُوطِ ، وَمَا هَذَا إلَّا بِمَثَابَةِ قَوْله تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ } .
فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بَيَانُ حِلِّ الْأَكْلِ فِي هَذَا الْوَقْتِ فَمَنْ احْتَجَّ بِهِ عَلَى حَدِّ نَوْعِ الْمَأْكُولَاتِ ، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْأَكْلِ كَانَ مُبْطِلاً ، إذْ لَا عُمُومَ فِي اللَّفْظِ لِذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ سَوَاءً وَلَيْسَ الْغَالِبُ أَنَّ بَائِعَ التَّمْرِ بِدَرَاهِمَ يَبْتَاعُ بِهَا مِنْ الْمُشْتَرِي حَتَّى يُقَالَ : هَذِهِ الصُّورَةُ غَالِبَةٌ فَكَانَ يَنْبَغِي التَّحْذِيرُ مِنْهَا كَمَا حَذَّرَ السَّلَفُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي الصَّرْفِ ، لِأَنَّ سِعْرَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي الْغَالِبِ مَعْرُوفٌ ، وَالْغَالِبُ أَنَّ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَ نَقْداً لِيَشْتَرِيَ نَقْداً آخَرَ إذَا بَاعَهُ لِلصَّيْرَفِيِّ بِذَهَبٍ ابْتَاعَ بِالذَّهَبِ مِنْهُ النَّقْدَ الْآخَرَ وَلِهَذَا حَذَّرُوا مِنْهُ ، وَأَمَّا التَّمْرُ وَالْبُرُّ وَنَحْوُهُمَا مِنْ الْعُرُوضِ فَإِنَّ مَنْ يَقْصِدُ بَيْعَهُ لَا يَقْصِدُ بِهِ مُشْتَرِياً مَخْصُوصاً .
بَلْ يَعْرِضُهُ عَلَى أَهْلِ السُّوقِ عَامَّةً .
أَوْ يَضَعُهُ حَيْثُ يَقْصِدُونَهُ ، أَوْ يُنَادِي عَلَيْهِ ، فَإِذَا بَاعَهُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ فَقَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ السِّلْعَةُ الَّتِي يُرِيدُهَا وَقَدْ لَا تَكُونُ .
وَمِثْلُ هَذَا إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ : بِعْ هَذِهِ الثِّيَابَ الْكَتَّانَ وَاشْتَرِ لَنَا بِالثَّمَنِ ثِيَابَ قُطْنٍ .
أَوْ بِعْ هَذِهِ الْحِنْطَةَ الْعَتِيقَةَ وَاشْتَرِ لَنَا بِالثَّمَنِ جَدِيدَةً لَا يَكَادُ يَخْطِرُ بِبَالِهِ الِاشْتِرَاءُ مِنْ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي بَلْ يَشْتَرِي مِنْ حَيْثُ وَجَدَ غَرَضَهُ عِنْدَ غَيْرِهِ أَغْلَبَ مِنْ وُجُودِهِ عِنْدَهُ ، فَالْغَرَضُ فِي بَيْعِ الْعُرُوضِ أَوْ ابْتِيَاعِهَا لَا يَغْلِبُ وُجُودُهُ عِنْدَ وَاحِدٍ بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ .
وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ صُورَةً قَلِيلَةً لَمْ يَجِبْ التَّحْذِيرُ مِنْهَا إذَا لَمْ يَكُنْ اللَّفْظُ مُتَنَاوِلاً لَهَا كَمَا لَوْ يُحَذِّرُ مِنْ سَائِرِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ ، وَلِهَذَا إنَّمَا يَتَكَلَّمُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَنْعِ مِنْ الشِّرَاءِ مِنْ الْمُشْتَرِي فِي الصَّرْفِ ، لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ ، بِخِلَافِ الْعُرُوضِ ، وَثَبَتَ أَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ لَهُ إشْعَارٌ بِالِابْتِيَاعِ مِنْ الْمُشْتَرِي أَلْبَتَّةَ .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بِعْ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ } إنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْبَيْعُ الْمَقْصُودُ الْخَالِي عَنْ شَرْطٍ يَمْنَعُ كَوْنَهُ مَقْصُوداً بِخِلَافِ الْبَيْعِ الَّذِي لَا يُقْصَدُ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ : بِعْت هَذَا الثَّوْبَ ، أَوْ بِعْ هَذَا الثَّوْبَ لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُ بَيْعُ الْمُكْرَهِ وَلَا بَيْعُ الْهَازِلِ .
وَإِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْهُ الْبَيْعُ الَّذِي قُصِدَ بِهِ نَقْلُ الْمِلْكِ ، فَإِذَا جَاءَ إلَى تَمَّارٍ فَقَالَ : أُرِيدُ أَنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 141
مساهمون: ابن تيمية
ص١٤١