تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 12

مساهمون:

ص١٢
هَؤُلَاءِ مِنْ أَعْيَانِ الْمَدَنِيِّينَ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الْمَدَنِيِّينَ التَّغْلِيظُ فِي التَّحْلِيلِ ، قَالُوا : هُوَ عَمَلُهُمْ وَعَلَيْهِ اجْتِمَاعُ مَلَئِهِمْ . وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي : هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَدَاوُد بْنِ عَلِيٍّ الْأَصْبَهَانِيِّ ، وَقَدْ خَرَّجَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ : الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُصُولِ وَغَيْرُهُمَا ، عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْعَقْدُ صَحِيحٌ ، كَقَوْلِ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ، قَالُوا : لِأَنَّ أَحْمَدَ قَالَ : أَكْرَهُهُ ، وَالْكَرَاهَةُ الْمُطْلَقَةُ مِنْهُ هَلْ تُحْمَلُ عَلَى التَّحْرِيمِ ، أَوْ التَّنْزِيهِ ، عَلَى وَجْهَيْنِ ، وَجَعَلَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ ، وَأَبُو الْخَطَّابِيِّ ، وَطَائِفَةٌ مَعَهُمَا الْمَسْأَلَةَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : الْبُطْلَانُ كَمَا نَقَلَهُ حَنْبَلٌ ، وَغَيْرُهُ . وَالثَّانِيَةُ : الصِّحَّةُ ، لِأَنَّ حَرْباً نَقَلَ عَنْهُ أَنَّهُ كَرِهَهُ ، فَظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو عَلِيِّ بْنُ الْبَنَّاءِ إلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةَ ، وَقَطَعَ عَنْ أَحْمَدَ بِالْكَرَاهَةِ مَعَ الصِّحَّةِ . وَهَذَا التَّخْرِيجُ ضَعِيفٌ عَلَى الْمَذْهَبِ فِي وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْكَرَاهَةَ الَّتِي نَقَلَهَا حَرْبٌ أَنَّهُ قَالَ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ ، وَفِي نَفْسِهِ طَلَاقُهَا فَكَرِهَهُ ، وَهَذَا لَيْسَ فِي نِيَّةِ التَّحْلِيلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي نِيَّةِ الِاسْتِمْتَاعِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَيِّنٌ فَإِنَّ الْمُحَلِّلَ لَا رَغْبَةَ لَهُ فِي النِّكَاحِ أَصْلاً ، وَإِنَّمَا غَرَضُهُ إعَادَتُهَا إلَى الْمُطَلِّقِ ، وَالْمُسْتَمْتِعُ لَهُ رَغْبَةٌ فِي النِّكَاحِ إلَى مُدَّةٍ ، وَلِهَذَا أُبِيحَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ، ثُمَّ حُرِّمَ وَلَمْ يُبَحْ التَّحْلِيلُ قَطُّ . وَلِهَذَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ : أَمَّا إذَا نَوَى أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ ، كَالرَّجُلِ يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ السَّفَرِ ، فَإِنَّ هَذَا جَائِزٌ ، وَاتَّبَعَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مَعَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ نِيَّةَ التَّحْلِيلِ تُبْطِلُ النِّكَاحَ ، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَرَاهَةُ هَذَا النِّكَاحِ ، وَقَالَ : هُوَ مُتْعَةٌ ، فَعُلِمَ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ . عَامَّةُ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : يُشْبِهُ الْمُتْعَةَ . فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّنْزِيهَ دُونَ التَّحْرِيمِ ، وَمِمَّنْ حَرَّمَهُ الْأَوْزَاعِيُّ .