عُرِفَ أَنَّهُ أَعْطَاهُ مِنْ الْحَلَالِ ، فَإِنْ كَانَ الْحَلَالُ هُوَ الْأَغْلَبُ لَمْ يُحْكَمْ بِتَحْرِيمِ الْمُعَامَلَةِ .
وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَغْلَبُ قِيلَ بِحِلِّ الْمُعَامَلَةِ وَقِيلَ بَلْ هِيَ مُحَرَّمَةٌ .
فَأَمَّا الْمُعَامِلُ بِالرِّبَا فَالْغَالِبُ عَلَى مَالِهِ الْحَلَالُ إلَّا أَنْ يُعْرَفَ الْكُرْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا بَاعَ أَلْفاً بِأَلْفٍ وَمِائَتَيْنِ فَالزِّيَادَةُ هِيَ الْمُحَرَّمَةُ فَقَطْ .
وَإِذَا كَانَ فِي مَالِهِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ وَاخْتَلَطَ لَمْ يَحْرُمْ الْحَلَالُ ، بَلْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ قَدْرَ الْحَلَالِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمَالُ لِشَرِيكَيْنِ فَاخْتَلَطَ مَالُ أَحَدِهِمَا بِمَالِ الْآخَرِ ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ اخْتَلَطَ بِمَالِهِ الْحَلَالِ الْحَرَامُ أَخْرَجَ قَدْرَ الْحَرَامِ وَالْبَاقِي حَلَالٌ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
1036 - 12 مَسْأَلَةٌ : فِي الْمُصْحَفِ الْعَتِيقِ إذَا تَمَزَّقَ مَا يَصْنَعُ بِهِ ، وَمَنْ كَتَبَ شَيْئاً مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ مَحَاهُ بِمَاءٍ أَوْ حَرَّقَهُ فَهَلْ لَهُ حُرْمَةٌ أَمْ لَا ؟
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ أَمَّا الْمُصْحَفُ الْعَتِيقُ وَاَلَّذِي تَخَرَّقَ وَصَارَ بِحَيْثُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِالْقِرَاءَةِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ يُدْفَنُ فِي مَكَان يُصَانُ فِيهِ ، كَمَا أَنَّ كَرَامَةَ بَدَنِ الْمُؤْمِنِ دَفْنُهُ فِي مَوْضِعٍ يُصَانُ فِيهِ ، وَإِذَا كُتِبَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ الذِّكْرِ فِي إنَاءٍ أَوْ لَوْحٍ وَمُحِيَ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَشُرِبَ ذَلِكَ فَلَا بَأْسَ بِهِ .
نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ، وَنَقَلُوا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ كَلِمَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ وَيَأْمُرُ بِأَنْ تُسْقَى لِمَنْ بِهِ دَاءٌ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لِذَلِكَ بَرَكَةً .
وَالْمَاءُ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَيْضاً مَاءٌ مُبَارَكٌ صُبَّ مِنْهُ عَلَى جَابِرٍ وَهُوَ مَرِيضٌ ، وَكَانَ الصَّحَابَةُ يَتَبَرَّكُونَ بِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ يَتَوَضَّأُ عَلَى التُّرَابِ وَغَيْرِهِ فَمَا بَلَغَنِي أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَاءِ يُنْهَى عَنْ صَبِّهِ فِي التُّرَابِ وَنَحْوِهِ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ نَهْياً فَإِنَّ أَثَرَ الْكِتَابَةِ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الْمَحْوِ كِتَابَةً .
وَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ مَسُّهُ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ كَحُرْمَتِهِ مَا دَامَ الْقُرْآنُ وَالذِّكْرُ مَكْتُوباً بِهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ صِيغَ فِضَّةٌ أَوْ ذَهَبٌ أَوْ نُحَاسٌ عَلَى صُورَةِ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ أَوْ نُقِشَ حَجَرٌ عَلَى ذَلِكَ عَلَى تِلْكَ الصُّورَةِ ثُمَّ غُيِّرَتْ تِلْكَ الصِّيَاغَةُ وَتَغَيَّرَ الْحَجَرُ لَمْ يَجِبْ لِتِلْكَ الْمَادَّةِ مِنْ الْحُرْمَةِ مَا كَانَ لَهَا حِينَ الْكِتَابَةِ .
وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُولُ فِي مَاءِ زَمْزَمَ لَا أُحِلُّهُ لِمُغْتَسِلٍ وَلَكِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 74
مساهمون: ابن تيمية
ص٧٤