تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
وَأَمَّا أَقْوَالُ بَعْضِ الْأُمَّةِ كَالْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ فَلَيْسَ حُجَّةً لَازِمَةً وَلَا إجْمَاعاً بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ نَهَوْا النَّاسَ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ ، وَأَمَرُوا إذَا رَأَوْا قَوْلاً فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَيَدَعُوا أَقْوَالَهُمْ ، وَلِهَذَا كَانَ الْأَكَابِرُ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ لَا يَزَالُونَ إذَا ظَهَرَ لَهُمْ دَلَالَةُ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ عَلَى مَا يُخَالِفُ قَوْلَ مَتْبُوعِهِمْ ، اتَّبَعُوا ذَلِكَ ، مِثْلَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ ، فَإِنَّ تَحْدِيدَهَا بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخاً لَمَّا كَانَ قَوْلاً ضَعِيفاً ، كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ تَرَى قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ الَّذِي هُوَ دُونَ ذَلِكَ ، كَالسَّفَرِ مِنْ مَكَّةَ إلَى عَرَفَةَ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ قَصَرُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى وَعَرَفَةَ . وَكَذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ قَالُوا : إنَّ جَمْعَ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ مُحَرَّمٌ بِدْعَةٌ لِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ عِنْدَهُمْ إنَّمَا يَدُلَّانِ عَلَى ذَلِكَ وَخَالَفُوا أَئِمَّتَهُمْ . وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رَأَوْا غَسْلَ الدُّهْنِ النَّجِسِ ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ . وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ رَأَوْا تَحْلِيفَ النَّاسِ بِالطَّلَاقِ ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ . بَلْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى خِلَافِهِ . وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِمْ قَالُوا مَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُ يُكَفِّرُ يَمِينَهُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِالْعَتَاقِ . وَكَذَلِكَ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ . وَقَالُوا إنَّ مَنْ قَالَ الطَّلَاقُ يَلْزَمُنِي لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَمَنْ حَلَفَ بِذَلِكَ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَهَذَا مَنْقُولٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ . وَطَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالُوا إنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ ، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَأَكَابِرِ التَّابِعِينَ فِي الْحَلِفِ بِالْعِتْقِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ، بَلْ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَأَقْوَالُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِخِلَافِهِ فَالْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَلِهَذَا كَانَ مَنْ هُوَ مِنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ يَقُولُ الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ لَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ وَيَجْعَلُهُ يَمِيناً فِيهِ الْكَفَّارَةُ . وَهَذَا بِخِلَافِ إيقَاعِ الطَّلَاقِ ، فَإِنَّهُ إذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَقَعَ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ وَلَمْ تَكُنْ فِيهِ كَفَّارَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ ، بَلْ لَا كَفَّارَةَ فِي الْإِيقَاعِ مُطْلَقاً ، وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ خَاصَّةٌ