تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩
ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ : الْحَيَاةُ الْمُسْتَقِرَّةُ مَا يَزِيدُ عَلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : مَا يُمْكِنُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَيَاةِ الْمَذْبُوحِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَيّاً فَذُكِّيَ حَلَّ أَكْلُهُ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ حَرَكَةُ مَذْبُوحٍ ، فَإِنَّ حَرَكَاتِ الْمَذْبُوحِ لَا تَنْضَبِطُ بَلْ فِيهَا مَا يَطُولُ زَمَانُهُ ، وَتَعْظُمُ حَرَكَتُهُ ، وَفِيهَا مَا يَقِلُّ زَمَانُهُ ، وَتَضْعُفُ حَرَكَتُهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا } . فَمَتَى جَرَى الدَّمُ الَّذِي يَجْرِي مِنْ الْمَذْبُوحِ الَّذِي ذُبِحَ وَهُوَ حَيٌّ حَلَّ أَكْلُهُ . وَالنَّاسُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ دَمِ مَا كَانَ حَيّاً ، وَدَمِ مَا كَانَ مَيِّتاً ، فَإِنَّ الْمَيِّتَ يَجْمُدُ دَمُهُ وَيَسْوَدُّ ، وَلِهَذَا حَرَّمَ اللَّهُ الْمَيْتَةَ لِاحْتِقَانِ الرُّطُوبَاتِ فِيهَا ، فَإِذَا جَرَى مِنْهُ الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ الْمَذْبُوحِ الَّذِي ذُبِحَ وَهُوَ حَيٌّ حَلَّ أَكْلُهُ ، وَإِنْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ يَمُوتُ ، فَإِنَّهُ الْمَقْصُودُ ذُبِحَ ، وَمَا فِيهِ حَيَاةٌ فَهُوَ حَيٌّ ، وَإِنْ تُيُقِّنَ أَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ سَاعَةٍ . فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَمُوتُ ، وَكَانَ حَيّاً جَازَتْ وَصِيَّتُهُ وَصَلَاتُهُ وَعُهُودُهُ ، وَقَدْ أَفْتَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بِأَنَّهَا إذَا مَصَعَتْ بِذَنَبِهَا ، أَوْ طَرَفَتْ بِعَيْنِهَا ، أَوْ رَكَضَتْ بِرِجْلِهَا بَعْدَ الذَّبْحِ حَلَّتْ ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهَا قَبْلَ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، وَهَذَا قَالَهُ الصَّحَابَةُ ، لِأَنَّ الْحَرَكَةَ دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاةِ ، وَالدَّلِيلُ لَا يَنْعَكِسُ فَلَا يَلْزَمُ إذَا لَمْ يُوجَدْ هَذَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ مَيْتَةً ، بَلْ قَدْ تَكُونُ حَيَّةً وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهَا مِثْلُ ذَلِكَ ، وَالْإِنْسَانُ قَدْ يَكُونُ نَائِماً فَيُذْبَحُ وَهُوَ نَائِمٌ وَلَا يَضْطَرِبُ ، وَكَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ يُذْبَحُ وَلَا يَضْطَرِبُ ، وَكَذَلِكَ الدَّابَّةُ قَدْ تَكُونُ حَيَّةً فَتُذْبَحُ وَلَا تَضْطَرِبُ لِضَعْفِهَا عَنْ الْحَرَكَةِ وَإِنْ كَانَتْ حَيَّةً ، وَلَكِنَّ خُرُوجَ الدَّمِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ إلَّا مِنْ مَذْبُوحٍ ، وَلَيْسَ هُوَ دَمُ الْمَيِّتِ دَلِيلٌ عَلَى الْحَيَاةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَصْل : وَتَجُوزُ ذَكَاةُ الْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ ، وَتَذْبَحُ الْمَرْأَةُ وَإِنْ كَانَتْ حَائِضاً ، فَإِنَّ حَيْضَتَهَا لَيْسَتْ فِي يَدِهَا ، وَذَكَاةُ الْمَرْأَةِ جَائِزَةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ { ذَبَحَتْ امْرَأَةٌ شَاةً فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَكْلِهَا } . فَصْلٌ : وَالتَّسْمِيَةُ عَلَى الذَّبِيحَةِ مَشْرُوعَةٌ ، لَكِنْ قِيلَ : هِيَ مُسْتَحَبَّةٌ ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ : وَاجِبَةٌ مَعَ الْعَمْدِ ، وَتَسْقُطُ مَعَ السَّهْوِ ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ