تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
الْمَوْطِنِ إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ } . فَالرَّجَاءُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَلَّقَ بِاَللَّهِ ، وَلَا يَتَعَلَّقَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِقُوَّةِ الْعَبْدِ وَلَا عَمَلِهِ ، فَإِنَّ تَعْلِيقَ الرَّجَاءِ بِغَيْرِ اللَّهِ إشْرَاكٌ ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ لَهَا أَسْبَاباً فَالسَّبَبُ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَفْسِهِ ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُعَاوِنٍ ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَمْنَعَ الْمُعَارِضَ الْمُعَوِّقَ لَهُ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ وَيَبْقَى إلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى . وَلِهَذَا قِيلَ : الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ ، وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَاباً نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ . وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ ، وَإِلَى رَبِّك فَارْغَبْ } فَأَمَرَ بِأَنْ تَكُونَ الرَّغْبَةُ إلَيْهِ وَحْدَهُ ، وَقَالَ : { وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } فَالْقَلْبُ لَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَى مَنْ يَرْجُوهُ ، فَمَنْ رَجَا قُوَّتَهُ أَوْ عَمَلَهُ أَوْ عِلْمَهُ أَوْ أَوْ صَدِيقَهُ أَوْ قَرَابَتَهُ أَوْ شَيْخَهُ أَوْ مِلْكَهُ أَوْ مَالَهُ غَيْرَ نَاظِرٍ إلَى اللَّهِ كَانَ فِيهِ نَوْعُ تَوَكُّلٍ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ ، وَمَا رَجَا أَحَدٌ مَخْلُوقاً أَوْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ إلَّا خَابَ ظَنُّهُ فِيهِ فَإِنَّهُ مُشْرِكٌ : { وَمَنْ يُشْرِكْ بِاَللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَان سَحِيقٍ } . وَكَذَلِكَ الْمُشْرِكُ يَخَافُ الْمَخْلُوقِينَ ، وَيَرْجُوهُمْ ، فَيَحْصُلُ لَهُ رُعْبٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً } وَالْخَالِصُ مِنْ الشِّرْكِ يَحْصُلُ لَهُ الْأَمْنُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } وَقَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّلْمَ هُنَا بِالشِّرْكِ . فَفِي الصَّحِيحِ : { عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمَّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا هَذَا الشِّرْكُ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا إلَى قَوْلِ الْعَبْدِ الصَّالِحِ : { إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ }