فِي إثْبَاتِ إلَهِيَّتِهِ وَفِي قَوْلِهِ : " اللَّهُ أَكْبَرُ " إثْبَاتُ عَظَمَتِهِ فَإِنَّ الْكِبْرِيَاءَ يَتَضَمَّنُ الْعَظَمَةَ وَلَكِنَّ الْكِبْرِيَاءَ أَكْمَلُ .
وَلِهَذَا جَاءَتْ الْأَلْفَاظُ الْمَشْرُوعَةُ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ بِقَوْلِ : " اللَّهُ أَكْبَرُ " فَإِنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ مِنْ قَوْلِ اللَّهُ أَعْظَمُ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا عَذَّبْته } فَجَعَلَ الْعَظَمَةَ كَالْإِزَارِ ، وَالْكِبْرِيَاءَ كَالرِّدَاءِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرِّدَاءَ أَشْرَفُ ، فَلَمَّا كَانَ التَّكْبِيرُ أَبْلَغَ مِنْ التَّعْظِيمِ صَرَّحَ بِلَفْظِهِ ، وَتَضَمَّنَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ ، وَفِي قَوْلِهِ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، صَرَّحَ فِيهَا بِالتَّنْزِيهِ مِنْ السُّوءِ الْمُتَضَمِّنِ لِلتَّعْظِيمِ ، فَصَارَ كُلٌّ مِنْ الْكَلِمَتَيْنِ مُتَضَمِّناً مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ مِنْ إذَا أُفْرِدَتَا ، وَعِنْدَ الِاقْتِرَانِ تُعْطِي كُلُّ كَلِمَةٍ خَاصِّيَّتَهَا .
وَهَذَا كَمَا أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ مَعْنَى الْآخَرِ ؛ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ ، وَالذَّاتُ تَسْتَلْزِمُ مَعْنَى الِاسْمِ الْآخَرِ ، لَكِنَّ هَذَا بِاللُّزُومِ .
وَأَمَّا دَلَالَةُ كُلِّ اسْمٍ عَلَى خَاصِّيَّتِهِ وَعَلَى الذَّاتِ بِمَجْمُوعِهِمَا فَبِالْمُطَابَقَةِ ، وَدَلَالَتُهَا عَلَى أَحَدِهِمَا بِالتَّضَمُّنِ .
فَقَوْلُ الدَّاعِي : { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ سُبْحَانَك } يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ اللَّاتِي هُنَّ أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ .
وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ تَتَضَمَّنُ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا فَفِيهَا كَمَالُ الْمَدْحِ .
وَقَوْلُهُ : { إنِّي كُنْت مِنْ الظَّالِمِينَ } فِيهِ اعْتِرَافٌ بِحَقِيقَةِ حَالِهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعِبَادِ أَنْ يُبَرِّئَ نَفْسَهُ عَنْ هَذَا الْوَصْفِ ، لَا سِيَّمَا فِي مَقَامِ مُنَاجَاتِهِ لِرَبِّهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى } .
وَقَالَ : { مَنْ قَالَ : أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ } فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِظُلْمِ نَفْسِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ ، وَلِهَذَا كَانَ سَادَاتُ الْخَلَائِقِ لَا يَفْضُلُونَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى يُونُسَ فِي هَذَا الْمَقَامِ ، بَلْ يَقُولُونَ : كَمَا قَالَ أَبُوهُمْ آدَم وَخَاتِمُهُمْ مُحَمَّدٌ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 230
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٠