اللَّهُ ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّبْرِ } .
" وَالِاسْتِغْنَاءُ " أَنْ لَا يَرْجُوَ بِقَلْبِهِ أَحَداً فَيَسْتَشْرِفُ إلَيْهِ .
" وَالِاسْتِعْفَافُ " أَنْ لَا يَسْأَلَ بِلِسَانِهِ أَحَداً ، وَلِهَذَا لَمَّا سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ التَّوَكُّلِ فَقَالَ : قَطْعُ الِاسْتِشْرَافِ إلَى الْخَلْقِ ؛ أَيْ لَا يَكُونُ فِي قَلْبِك أَنَّ أَحَداً يَأْتِيك بِشَيْءٍ فَقِيلَ لَهُ : فَمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ : قَوْلُ الْخَلِيلِ لَمَّا قَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ هَلْ لَك مِنْ حَاجَةٍ ؟ فَقَالَ : " أَمَّا إلَيْك فَلَا " .
فَهَذَا وَمَا يُشْبِهُهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَبْدَ فِي طَلَبِ مَا يَنْفَعُهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ لَا يُوَجِّهُ قَلْبَهُ إلَّا إلَى اللَّهِ ؛ فَلِهَذَا قَالَ الْمَكْرُوبُ : { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ } .
وَمِثْلُ هَذَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ : عَنْ ابْن عَبَّاسٍ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : عِنْدَ الْكَرْبِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ } فَإِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِيهَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ ، وَتَأَلُّهُ الْعَبْدِ رَبَّهُ ، وَتَعَلُّقُ رَجَائِهِ بِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَهِيَ لَفْظُ خَبَرٍ يَتَضَمَّنُ الطَّلَبَ .
وَالنَّاسُ وَإِنْ كَانُوا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَقَوْلُ الْعَبْدِ لَهَا مُخْلِصاً مِنْ قَلْبِهِ لَهُ حَقِيقَةٌ أُخْرَى ، وَبِحَسَبِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ تَكْمُلُ طَاعَةُ اللَّهِ .
قَالَ تَعَالَى : { أَرَأَيْت مَنْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْت تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ، أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إنْ هُمْ إلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً } فَمَنْ جَعَلَ مَا يَأْلَهُهُ هُوَ مَا يَهْوَاهُ فَقَدْ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَوَاهُ ، أَيْ جَعَلَ مَعْبُودَهُ هُوَ مَا يَهْوَاهُ ، وَهَذَا حَالُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُ أَحَدُهُمْ مَا يَسْتَحْسِنُهُ فَهُمْ يَتَّخِذُونَ أَنْدَاداً مِنْ دُونِ اللَّهِ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ : { لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ } .
فَإِنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا مُنْكَرِينَ لِلصَّانِعِ ، وَلَكِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يَعْبُدُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ وَيَظُنُّهُ نَافِعاً لَهُ كَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ ، وَالْخَلِيلُ بَيَّنَ أَنَّ الْآفِلَ يَغِيبُ عَنْ عَابِدِهِ وَتَحْجُبُهُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 234
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٤