تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَظَّمَ : كَقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ } وَقَوْلِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ } فَإِنَّ كَثِيراً مِمَّنْ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ وَالْغِنَى لَا يَكُونُ مَحْمُوداً بَلْ مَذْمُوماً ، إذْ الْحَمْدُ يَتَضَمَّنُ الْإِخْبَارَ عَنْ الْمَحْمُودِ بِمَحَاسِنِهِ الْمَحْبُوبَةِ ، فَيَتَضَمَّنُ إخْبَاراً بِمَحَاسِنِ الْمَحْبُوبِ مَحَبَّةً لَهُ . وَكَثِيرٌ مِمَّنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْ الْحَمْدِ وَالْمَحَبَّةِ يَكُونُ فِيهِ عَجْزٌ وَضَعْفٌ وَذُلٌّ يُنَافِي الْعَظَمَةَ وَالْغِنَى وَالْمُلْكَ . فَالْأَوَّلُ يُهَابُ وَيُخَافُ وَلَا يُحَبُّ . وَهَذَا يُحَبُّ وَيُحْمَدُ ، وَلَا يُهَابُ وَلَا يُخَافُ . وَالْكَمَالُ اجْتِمَاعُ الْوَصْفَيْنِ . كَمَا وَرَدَ فِي الْأَثَرِ { أَنَّ الْمُؤْمِنَ رُزِقَ حَلَاوَةً وَمَهَابَةً } وَفِي نَعْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ } . فَقَرَنَ التَّسْبِيحَ بِالتَّحْمِيدِ ، وَقَرَنَ التَّهْلِيلَ بِالتَّكْبِيرِ ؛ كَمَا فِي كَلِمَاتِ الْأَذَانِ . ثُمَّ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ النَّوْعَيْنِ يَتَضَمَّنُ الْآخَرَ إذَا أَفْرَدَ : فَإِنَّ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ يَتَضَمَّنُ التَّعْظِيمَ ؛ وَيَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الْإِلَهِيَّةَ فَإِنَّ الْإِلَهِيَّةَ تَتَضَمَّنُ كَوْنَهُ مَحْبُوباً ؛ بَلْ تَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ كَمَالَ الْحُبِّ إلَّا هُوَ . وَالْحَمْدُ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنْ الْمَحْمُودِ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحَبَّ فَالْإِلَهِيَّةُ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ الْحَمْدِ ؛ وَلِهَذَا كَانَ " الْحَمْدُ لِلَّهِ " مِفْتَاحَ الْخِطَابِ ؛ وَكُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ " وَسُبْحَانَ اللَّهِ " فِيهَا إثْبَاتُ عَظَمَتِهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّك الْعَظِيمِ } وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ } رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ ، وَقَالَ : { أَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِيهِ بِالدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَجَعَلَ التَّعْظِيمَ فِي الرُّكُوعِ أَخَصَّ مِنْهُ بِالسُّجُودِ وَالتَّسْبِيحَ يَتَضَمَّنُ التَّعْظِيمَ . فَفِي " قَوْلِهِ " سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ " إثْبَاتُ تَنْزِيهِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَحَمْدِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ " فَفِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ [ إثْبَاتُ ] مَحَامِدِهِ ، فَإِنَّهَا كُلَّهَا دَاخِلَةٌ