تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧
صَنَعْتُ ، أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ ، مَنْ قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِناً بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ قَالَهَا إذَا أَمْسَى مُوقِناً بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } . فَالْعَبْدُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَرِفَ بِعَدْلِ اللَّهِ وَإِحْسَانِهِ فَإِنَّهُ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ، فَلَا يُعَاقِبُ أَحَداً إلَّا بِذَنْبِهِ ، وَهُوَ يُحْسِنُ إلَيْهِمْ فَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ وَكُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ . فَقَوْلُهُ : { لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ } فِيهِ إثْبَاتُ انْفِرَادِهِ بِالْإِلَهِيَّةِ ، وَالْإِلَهِيَّةُ تَتَضَمَّنُ كَمَالَ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ ، فَفِيهَا إثْبَاتُ إحْسَانِهِ إلَى الْعِبَادِ فَإِنَّ " الْإِلَهَ " هُوَ الْمَأْلُوهُ ، وَالْمَأْلُوهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ ، وَكَوْنُهُ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ هُوَ بِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَحْبُوبُ غَايَةَ الْحُبِّ ، الْمَخْضُوعِ لَهُ غَايَةَ الْخُضُوعِ ؛ وَالْعِبَادَةُ تَتَضَمَّنُ غَايَةَ الْحُبِّ بِغَايَةِ الذُّلِّ . وَقَوْلُهُ : { سُبْحَانَك } يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَهُ وَتَنْزِيهَهُ عَنْ الظُّلْمِ وَغَيْرِهِ مِنْ النَّقَائِصِ ؛ فَإِنَّ التَّسْبِيحَ وَإِنْ كَانَ يُقَالُ : يَتَضَمَّنُ نَفْيَ النَّقَائِصِ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ مِنْ مَرَاسِيلِ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي { قَوْلِ الْعَبْدِ : سُبْحَانَ اللَّهِ : إنَّهَا بَرَاءَةُ اللَّهِ مِنْ السُّوءِ } فَالنَّفْيُ لَا يَكُونُ مَدْحاً إلَّا إذَا تَضَمَّنَ ثُبُوتاً وَإِلَّا فَالنَّفْيُ الْمَحْضُ لَا مَدْحَ فِيهِ ، وَنَفْيُ السُّوءِ وَالنَّقْصِ عَنْهُ يَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ مَحَاسِنِهِ وَكَمَالَهُ ، وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى . وَهَكَذَا عَامَّةُ مَا يَأْتِي بِهِ الْقُرْآنُ فِي نَفْيِ السُّوءِ وَالنَّقْصِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ مَحَاسِنِهِ وَكَمَالَهُ . كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ } فَنَفْيُ أَخْذِ السُّنَّةِ وَالنَّوْمِ لَهُ يَتَضَمَّنُ كَمَالَ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ وَقَوْلِهِ : { وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ } يَتَضَمَّنُ كَمَالَ قُدْرَتِهِ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ . فَالتَّسْبِيحُ الْمُتَضَمِّنُ تَنْزِيهَهُ عَنْ السُّوءِ ، وَنَفْيُ النَّقْصِ عَنْهُ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَهُ . فَفِي قَوْلِهِ : { سُبْحَانَك } تَبْرِئَتُهُ مِنْ الظُّلْمِ ، وَإِثْبَاتُ الْعَظَمَةِ الْمُوجِبَةِ لَهُ بَرَاءَتَهُ مِنْ الظُّلْمِ ، فَإِنَّ الظَّالِمَ إنَّمَا يَظْلِمُ لِحَاجَتِهِ إلَى الظُّلْمِ أَوْ لِجَهْلِهِ ، وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إلَيْهِ ، وَهَذَا كَمَالُ الْعَظَمَةِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 227 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا