تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
يَسْتَسْلِمَ الْعَبْدُ لِلَّهِ لَا لِغَيْرِهِ ، فَالْمُسْتَسْلِمُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مُشْرِكٌ ، وَالْمُمْتَنِعُ عَنْ الِاسْتِسْلَامِ لَهُ مُسْتَكْبِرٌ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ كَمَا أَنَّ النَّارَ لَا يَدْخُلُهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ } فَجَعَلَ الْكِبْرَ مُقَابِلاً لِلْإِيمَانِ ، فَإِنَّ الْكِبْرَ يُنَافِي حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَقُولُ اللَّهُ : الْعَظَمَةُ إزَارِي وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِداً مِنْهُمَا عَذَّبْته } فَالْعَظَمَةُ وَالْكِبْرِيَاءُ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ ، وَالْكِبْرِيَاءُ أَعْلَى مِنْ الْعَظَمَةِ ؛ وَلِهَذَا جَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الرِّدَاءِ ، كَمَا جَعَلَ الْعَظَمَةَ بِمَنْزِلَةِ الْإِزَارِ . وَلِهَذَا كَانَ شِعَارُ الصَّلَوَاتِ ، وَالْأَذَانِ ، وَالْأَعْيَادِ هُوَ : التَّكْبِيرُ ، وَكَانَ مُسْتَحَبّاً فِي الْأَمْكِنَةِ الْعَالِيَةِ كَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَإِذَا عَلَا الْإِنْسَانُ شُرَفاً أَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَنَحْوَ ذَلِكَ ، وَبِهِ يُطْفَأُ الْحَرِيقُ وَإِنْ عَظُمَ ، وَعِنْدَ الْأَذَانِ يَهْرُبُ الشَّيْطَانُ . قَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ رَبُّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } . وَكُلُّ مَنْ اسْتَكْبَرَ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ لَا بُدَّ أَنْ يَعْبُدَ غَيْرَهُ ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ حَسَّاسٌ يَتَحَرَّكُ بِالْإِرَادَةِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ : عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ } فَالْحَارِثُ الْكَاسِبُ الْفَاعِلُ ، وَالْهَمَّامُ فَعَّالٌ مِنْ الْهَمِّ ، وَالْهَمُّ أَوَّلُ الْإِرَادَةِ ، فَالْإِنْسَانُ لَهُ إرَادَةٌ دَائِماً ، وَكُلُّ إرَادَةٍ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ تَنْتَهِي إلَيْهِ ، فَلَا بُدَّ لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْ مُرَادٍ مَحْبُوبٍ هُوَ مُنْتَهَى حُبِّهِ وَإِرَادَتِهِ . فَمَنْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ مَعْبُودَهُ وَمُنْتَهَى حُبِّهِ وَإِرَادَتِهِ بَلْ اسْتَكْبَرَ عَنْ ذَلِكَ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُرَادٌ مَحْبُوبٌ يَسْتَعْبِدُهُ غَيْرُ اللَّهِ ، فَيَكُونُ عَبْداً لِذَلِكَ الْمُرَادِ الْمَحْبُوبِ : إمَّا الْمَالُ ، وَإِمَّا الْجَاهُ ، وَإِمَّا الصُّوَرُ ، وَإِمَّا مَا يَتَّخِذُهُ إلَهاً مِنْ دُونِ اللَّهِ : كَالشَّمْسِ ، وَالْقَمَرِ ، وَالْكَوَاكِبِ ، وَالْأَوْثَانِ ، وَقُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالصَّالِحِينَ ، أَوْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ ، الَّذِينَ يَتَّخِذُهُمْ أَرْبَاباً ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا عَبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَإِذَا كَانَ عَبْداً لِغَيْرِ اللَّهِ يَكُونُ مُشْرِكاً ، وَكُلُّ مُسْتَكْبِرٍ فَهُوَ مُشْرِكٌ ، وَلِهَذَا كَانَ