فِرْعَوْنُ مِنْ أَعْظَمِ الْخَلْقِ اسْتِكْبَاراً عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ، وَكَانَ مُشْرِكاً .
قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ } إلَى قَوْلِهِ : { وَقَالَ مُوسَى إنِّي عُذْت بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ } إلَى قَوْلِهِ : { كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ } وَقَالَ تَعَالَى : { إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ } وَقَالَ : { فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ } ، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ .
وَقَدْ وُصِفَ فِرْعَوْنُ بِالشِّرْكِ فِي قَوْلِهِ : { وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَك وَآلِهَتَك } .
بَلْ الِاسْتِقْرَاءُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا كَانَ الرَّجُلُ أَعْظَمَ اسْتِكْبَاراً عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ كَانَ أَعْظَمَ إشْرَاكاً بِاَللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ كُلَّمَا اسْتَكْبَرَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ازْدَادَ فَقْرُهُ وَحَاجَتُهُ إلَى الْمُرَادِ الْمَحْبُوبِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ : مَقْصُودُ الْقَلْبِ بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ ، فَيَكُونُ مُشْرِكاً بِمَا اسْتَعْبَدَهُ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَنْ يَسْتَغْنِيَ الْقَلْبُ عَنْ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ اللَّهُ هُوَ مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ وَلَا يَسْتَعِينُ إلَّا بِهِ ، وَلَا يَتَوَكَّلُ إلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا يَفْرَحُ إلَّا بِمَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ ، وَلَا يَكْرَهُ إلَّا مَا يَبْغُضُهُ الرَّبُّ وَيَكْرَهُهُ ، وَلَا يُوَالِي إلَّا مَنْ وَالَاهُ اللَّهُ ، وَلَا يُعَادِي إلَّا مَنْ عَادَاهُ اللَّهُ ، وَلَا يُحِبُّ إلَّا لِلَّهِ ، وَلَا يَبْغُضُ شَيْئاً إلَّا لِلَّهِ ، وَلَا يُعْطِي إلَّا لِلَّهِ ، وَلَا يَمْنَعُ إلَّا لِلَّهِ ، فَكُلَّمَا قَوِيَ إخْلَاصُ دِينِهِ لِلَّهِ كَمُلَتْ عُبُودِيَّتُهُ وَاسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَبِكَمَالِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ يُبْرِئُهُ مِنْ الْكِبْرِ وَالشِّرْكِ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 191
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩١