تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ } فَإِنَّ الرَّسُولَ يَأْمُرُ بِمَا يُحِبُّ اللَّهُ وَيَنْهَى عَمَّا يُبْغِضُهُ اللَّهُ وَيَفْعَلُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيُخْبِرُ بِمَا يُحِبُّ اللَّهُ التَّصْدِيقَ بِهِ ؛ فَمَنْ كَانَ مُحِبّاً لِلَّهِ لَزِمَ أَنْ يَتْبَعَ الرَّسُولَ فَيُصَدِّقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ وَيُطِيعُهُ فِيمَا أَمَرَ وَيَتَأَسَّى بِهِ فِيمَا فَعَلَ ، وَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ فَعَلَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ ؛ فَيُحِبُّهُ اللَّهُ ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ عَلَامَتَيْنِ : اتِّبَاعَ الرَّسُولِ ؛ وَالْجِهَادَ فِي سَبِيلِهِ . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْجِهَادَ حَقِيقَتُهُ الِاجْتِهَادُ فِي حُصُولِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ ؛ وَمِنْ دَفْعِ مَا يَبْغُضُهُ اللَّهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { قُلْ إنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ } فَتَوَعَّدَ مَنْ كَانَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ بِهَذَا الْوَعِيدِ . بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ : أَنَّهُ قَالَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ } . وَفِي الصَّحِيحِ : أَنَّ { عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَاَللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي : فَقَالَ : لَا يَا عُمَرُ ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك فَقَالَ : فَوَاَللَّهِ ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ : الْآنَ يَا عُمَرُ } . فَحَقِيقَةُ الْمَحَبَّةِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِمُوَالَاةِ الْمَحْبُوبِ ، وَهُوَ مُوَافَقَتُهُ فِي حُبِّ مَا يُحِبُّ ، وَبُغْضِ مَا يَبْغُضُ ، وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْإِيمَانَ وَالتَّقْوَى ، وَيَبْغُضُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحُبَّ يُحَرِّكُ إرَادَةَ الْقَلْبِ ، فَكُلَّمَا قَوِيَتْ الْمَحَبَّةُ فِي الْقَلْبِ طَلَب الْقَلْبُ فِعْلَ الْمَحْبُوبَاتِ ، فَإِذَا كَانَتْ الْمَحَبَّةُ تَامَّةً اسْتَلْزَمَتْ إرَادَةً جَازِمَةً فِي حُصُولِ الْمَحْبُوبَاتِ ، فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ قَادِراً عَلَيْهَا حَصَّلَهَا ، وَإِنْ كَانَ عَاجِزاً عَنْهَا فَفَعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ الْفَاعِلِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ