الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا } وَقَالَتْ بِلْقِيسُ { رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْت مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وَقَالَ : { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } وَقَالَ { إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ } وَقَالَ : { وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً } فَذَكَرَ إسْلَامَ الْكَائِنَاتِ طَوْعاً وَكَرْهاً ، لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ جَمِيعَهَا مُتَعَبِّدَةٌ لَهُ التَّعَبُّدَ الْعَامَّ ، سَوَاءٌ أَقَرَّ الْمُقِرُّ بِذَلِكَ أَوْ أَنْكَرَهُ ، وَهُمْ مَدِينُونَ مُدَبَّرُونَ ، فَهُمْ مُسْلِمُونَ لَهُ طَوْعاً وَكَرْهاً .
لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ خُرُوجٌ عَمَّا شَاءَهُ وَقَدَّرَهُ وَقَضَاهُ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ ، وَهُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَمَلِيكُهُمْ يُصَرِّفُهُمْ كَيْفَ يَشَاءُ ، وَهُوَ خَالِقُهُمْ كُلِّهِمْ وَبَارِئُهُمْ وَمُصَوِّرُهُمْ ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ فَهُوَ مَرْبُوبٌ ، مَصْنُوعٌ ، مَفْطُورٌ ، فَقِيرٌ ، مُحْتَاجٌ ، مُعَبَّدٌ ، مَقْهُورٌ ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ .
وَهُوَ وَإِنْ كَانَ قَدْ خَلَقَ مَا خَلَقَ بِأَسْبَابٍ ، فَهُوَ خَالِقُ السَّبَبِ وَالْمُقَدِّرُ لَهُ ، وَهُوَ مُفْتَقِرٌ إلَيْهِ كَافْتِقَارِ هَذَا ، وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ سَبَبٌ مُسْتَقِلٌّ بِفِعْلٍ وَلَا دَفْعِ ضَرَرٍ بَلْ كُلُّ مَا هُوَ سَبَبٌ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى سَبَبٍ آخَرَ يُعَاوِنُهُ وَإِلَى مَا يَدْفَعُ عَنْهُ الضِّدَّ الَّذِي يُعَارِضُهُ وَيُمَانِعُهُ .
وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَحْدَهُ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ ، لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ يُعَاوِنُهُ وَلَا ضِدٌّ يُنَاوِئُهُ وَيُعَارِضُهُ .
قَالَ تَعَالَى : { قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 193
مساهمون: ابن تيمية
ص١٩٣