تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
وَمِثْلُ قَوْلِهِ : { لَا صَلَاةَ إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ } وَأَمْثَالُ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَا يَنْفِي مُسَمَّى الِاسْمِ إلَّا لِانْتِفَاءِ بَعْضِ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ ، لَا لِانْتِفَاءِ بَعْضِ مُسْتَحَبَّاتِهِ ، فَيُفِيدُ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ الْوَاجِبَ الَّذِي لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ بَعْضُ الْإِيمَانِ ، فَإِنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ وَيَتَفَاضَلُ كَمَا قَالَ : { يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ ذَرَّةٌ مِنْ الْإِيمَانِ } وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ أَوْ الْجَنَّةِ أَوْ كَوْنِهِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ كَبِيرَةٍ ، فَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَلَا تَنْفِي هَذَا الِاسْمَ وَالْحُكْمَ عَنْ صَاحِبِهَا بِمُجَرَّدِهَا فَيُعْرَفُ أَنَّ هَذَا النَّفْيَ لَا يَكُونُ لِتَرْكِ مُسْتَحَبٍّ ، وَلَا لِفِعْلِ صَغِيرَةٍ بَلْ لِفِعْلِ كَبِيرَةٍ ، وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ هَذَا الضَّابِطَ أَوْلَى مِنْ سَائِرِ تِلْكَ الضَّوَابِطِ الْمَذْكُورَةِ لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ الْمَأْثُورُ عَنْ السَّلَفِ ، بِخِلَافِ تِلْكَ الضَّوَابِطِ فَإِنَّهَا لَا تُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ ، وَإِنَّمَا قَالَهَا بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ أَوْ التَّصَوُّفِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ السَّلَفِ إنَّهَا إلَى التِّسْعِينَ أَقْرَبُ مِنْهَا إلَى السَّبْعِ ، فَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ ، وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَاحِداً وَاحِداً . الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ قَالَ : { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً } فَقَدْ وَعَدَ بِتَجَنُّبِ الْكَبَائِرِ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ وَاسْتِحْقَاقِ الْوَعْدِ الْكَرِيمِ ، وَكُلُّ مَنْ وُعِدَ بِغَضَبِ اللَّهِ ، أَوْ لَعْنِهِ ، أَوْ نَارٍ ، أَوْ حِرْمَانِ جَنَّةٍ ، أَوْ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الْوَعْدِ فَلَا يَكُونُ مِنْ مُجْتَنِبِي الْكَبَائِرِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَحَقَّ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَمْ تَكُنْ سَيِّئَاتُهُ مُكَفَّرَةً عَنْهُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَيْهِ ، وَالْمُسْتَحِقُّ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَهُ ذَنْبٌ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ . وَالثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا الضَّابِطَ مَرْجِعُهُ إلَى مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الذُّنُوبِ فَهُوَ حَدٌّ يُتَلَقَّى مِنْ خِطَابِ الشَّارِعِ ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ لَيْسَ مُتَلَقًّى مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بَلْ هُوَ قَوْلُ