الْكُتُبِ ، وَمُصَدِّقاً لَهَا ، وَجَعَلَ لَهُ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ، وَشَرَعَ لِأُمَّتِهِ سُنَنَ الْهُدَى ؛ وَلَنْ يَقُومَ الدِّينُ إلَّا بِالْكِتَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْحَدِيدِ .
كِتَابٌ يُهْدَى بِهِ ، وَحَدِيدٌ يَنْصُرُهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } فَالْكِتَابُ بِهِ يَقُومُ الْعِلْمُ وَالدِّينُ .
وَالْمِيزَانُ بِهِ تَقُومُ الْحُقُوقُ فِي الْعُقُودِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقُبُوضِ .
وَالْحَدِيدُ بِهِ تَقُومُ الْحُدُودُ عَلَى الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ .
وَلِهَذَا كَانَ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ الْكِتَابُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ .
وَالْمِيزَانُ لِلْوُزَرَاءِ وَالْكُتَّابِ ، وَأَهْلِ الدِّيوَانِ .
وَالْحَدِيدُ لِلْأُمَرَاءِ وَالْأَجْنَادِ .
وَالْكِتَابُ لَهُ الصَّلَاةُ ؛ وَالْحَدِيدُ لَهُ الْجِهَادُ ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَكْثَرُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْجِهَادِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي عِيَادَةِ الْمَرِيضِ : { اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَك يَشْهَدُ لَك صَلَاةً ؛ وَيَنْكَأُ لَك عَدُوّاً } .
وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَلِهَذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَالصَّلَاةُ أَوَّلُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ ؛ وَأَصْلُ أَعْمَالِ الْإِيمَانِ ؛ وَلِهَذَا سَمَّاهَا إيمَاناً فِي قَوْلِهِ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ } أَيْ صَلَاتَكُمْ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ .
هَكَذَا نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ ، وَقَالَ تَعَالَى : { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ } وَقَالَ : { فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةً عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةً عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 116
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٦