تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
فَلَمَّا كَانَتْ إمَارَةُ مُعَاوِيَةَ احْتَجَبَ لَمَّا خَافَ أَنْ يُغْتَالَ كَمَا اُغْتِيلَ عَلِيٌّ ، وَاِتَّخَذَ الْمَقَاصِيرَ فِي الْمَسَاجِدِ لِيُصَلِّيَ فِيهَا ذُو السُّلْطَانِ وَحَاشِيَتُهُ ، وَاِتَّخَذَ الْمَرَاكِبَ ؛ فَاسْتَنَّ بِهِ الْخُلَفَاءُ الْمُلُوكُ بِذَلِكَ ، فَصَارُوا مَعَ كَوْنِهِمْ يَتَوَلَّوْنَ الْحَرْبَ وَالصَّلَاةَ بِالنَّاسِ ، وَيُبَاشِرُونَ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ ، وَالْجِهَادَ ، وَإِقَامَةَ الْحُدُودِ : لَهُمْ قُصُورٌ يَسْكُنُونَ فِيهَا ، وَيَغْشَاهُمْ رُؤُوسُ النَّاسِ فِيهَا ، كَمَا كَانَتْ " الْخَضْرَاءُ " لِبَنِي أُمَيَّةَ قِبْلِيِّ الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ ، وَالْمَسَاجِدُ يُجْتَمَعُ فِيهَا لِلْعِبَادَاتِ ، وَالْعِلْمِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ . فَصْلٌ طَالَ الْأَمَدُ ، وَتَفَرَّقَتْ الْأُمَّةُ ، وَتَمَسَّكَ كُلُّ قَوْمٍ بِشُعْبَةٍ مِنْ الدِّينِ بِزِيَادَاتٍ زَادُوهَا فَأَعْرَضُوا عَنْ شُعْبَةٍ مِنْهُ أُخْرَى . أَحْدَثَتْ الْمُلُوكُ وَالْأُمَرَاءُ " الْقِلَاعَ وَالْحُصُونَ " وَإِنَّمَا كَانَتْ تُبْنَى الْحُصُونُ وَالْمَعَاقِلُ قَدِيماً فِي الثُّغُورِ ، خَشْيَةَ أَنْ يَدْهَمَهَا الْعَدُوُّ ؛ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَنْ يَدْفَعُهُ عَنْهَا ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ الثُّغُورَ الشَّامِيَّةَ " الْعَوَاصِمَ " وَهِيَ قِنِّسْرِينُ ، وَحَلَبُ . وَأُحْدِثَتْ " الْمَدَارِسُ " لِأَهْلِ الْعِلْمِ . وَأُحْدِثَتْ " الرُّبُطَ ، وَالْخَوَانِقَ " لِأَهْلِ التَّعَبُّدِ . وَأَظُنُّ مَبْدَأَ انْتِشَارِ " لِأَهْلِ الْعِلْمِ ذَلِكَ فِي " دَوْلَةِ السَّلَاجِقَةِ " . فَأَوَّلُ مَا بُنِيَتْ الْمَدَارِسُ وَالرِّبَاطَاتُ لِلْمَسَاكِينِ ، وَوُقِفَتْ عَلَيْهَا وُقُوفٌ تَجْرِي عَلَى أَهْلِهَا فِي وَزَارَةِ " نِظَامِ الْمُلْكِ " . وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَقَدْ وُجِدَ ذِكْرُ الْمَدَارِسِ ، وَذِكْرُ الرُّبُطِ ؛ لَكِنْ مَا أَظُنُّ كَانَ مَوْقُوفاً عَلَيْهَا لِأَهْلِهَا ؛ وَإِنَّمَا كَانَتْ مَسَاكِنَ مُخْتَصَّةً ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ مَعْمَرُ بْنُ زِيَادٍ مِنْ أَصْحَابِ الْوَاحِدِيِّ فِي " أَخْبَارِ الصُّوفِيَّةِ " أَنَّ أَوَّلَ دُوَيْرَةٍ بُنِيَتْ لَهُمْ فِي الْبَصْرَةِ . وَأَمَّا " الْمَدَارِسُ " فَقَدْ رَأَيْتُ لَهَا ذِكْراً قَبْلَ دَوْلَةِ السَّلَاجِقَةِ فِي أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ ، وَدَوْلَتُهُمْ إنَّمَا كَانَتْ فِي الْمِائَةِ الْخَامِسَةِ ، وَكَذَلِكَ هَذِهِ " الْقِلَاعُ ، وَالْحُصُونُ " الَّتِي بِالشَّامِ عَامَّتُهَا مُحْدَثٌ ، كَمَا بَنَى الْمَلِكُ الْعَادِلُ قَلْعَةَ دِمَشْقَ ، وَبُصَرَى وَحَرَّانَ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّصَارَى كَانُوا كَثِيرِي الْغَزْوِ إلَيْهِمْ . وَكَانَ النَّاسُ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ قَدْ ضَعُفُوا عَنْ دِفَاعِ النَّصَارَى عَنْ السَّوَاحِلِ ، حَتَّى اسْتَعْلُوا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ ثُغُورِ الشَّامِ السَّاحِلِيَّةِ . فَصْلٌ فِي " الْخِلَافَةِ وَالسُّلْطَانِ " وَكَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ ظِلَّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 119 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا