تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
عَلَى الْأَرْضِ ، وَيُبْنَى تَحْتَهُ سِقَايَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ . وَإِنْ تَنَازَعَ الْجِيرَانُ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : نَحْنُ شُيُوخٌ لَا نَصْعَدُ فِي الدَّرَجِ ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ بِنَاءَهُ . فَقَالَ أَحْمَدُ : يُنْظَرُ إلَى مَا يَخْتَارُ الْأَكْثَرُ . وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ هَذَا عَلَى أَنَّهُ ابْتَدَأَ الْبِنَاءَ ، وَمُحَقِّقُو أَصْحَابِهِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ خَطَأٌ ، لِأَنَّ نُصُوصَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ صَرِيحَةٌ بِتَحْوِيلِ الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا كَانَ أَحْمَدُ قَدْ أَفْتَى بِمَا فَعَلَهُ الصَّحَابَةُ ، حَيْثُ جَعَلُوا الْمَسْجِدَ غَيْرَ الْمَسْجِدِ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ مَعَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ سَائِرِ الْبِقَاعِ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : وَأَحَبُّ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا وَأَبْغَضُ الْبِقَاعِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا } فَإِذَا جَازَ جَعْلُ الْبُقْعَةِ الْمُحْتَرَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، بُقْعَةً غَيْرَ مُحْتَرَمَةٍ لِلْمَصْلَحَةِ ، فَلَأَنْ يَجُوزَ جَعْلُ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُحْتَرَمَةً : كَالطَّرِيقِ الْوَاسِعِ . بُقْعَةً مُحْتَرَمَةً وَتَابِعَةً لِلْبُقْعَةِ الْمُحْتَرَمَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى ، فَإِنَّهُ لَا رَيْبَ أَنَّ حُرْمَةَ الْمَسَاجِدِ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ الطُّرُقَاتِ . وَكِلَاهُمَا مَنْفَعَةٌ مُشْتَرَكَةٌ . فَصْلٌ : وَالْأُمُورُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْإِمَامِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنُوَّابِهِ فَمَا كَانَ إلَى الْحُكَّامِ ، فَأَمْرُ الْحَاكِمِ الَّذِي هُوَ نَائِبُ الْإِمَامِ فِيهِ ، كَأَمْرِ الْإِمَامِ مِثْلُ : تَزْوِيجِ الْأَيَامَى ، وَالنَّظَرِ فِي الْوُقُوفِ وَإِجْرَائِهَا عَلَى شُرُوطِ وَاقِفِيهَا ، وَعِمَارَةِ الْمَسَاجِدِ وَوُقُوفِهَا حَيْثُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ فِعْلُ ذَلِكَ فَمَا جَازَ لِلْإِمَامِ التَّصَرُّفُ فِيهِ جَازَ لِنَائِبِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ ، وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي شَاعَ فِيهَا النِّزَاعُ ، لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْإِمَامِ وَلَا عَلَى نَائِبِهِ مِنْ حَاكِمٍ وَغَيْرِهِ ، وَلَا يَنْقُضَ مَا فَعَلَهُ الْإِمَامُ وَنُوَّابُهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبِنَاءُ فِي الطَّرِيقِ ، وَإِنْ كَانَ مُتَّصِلاً بِالطَّرِيقِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ : مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَكَذَلِكَ فِنَاءُ الدَّارِ . وَلَكَ هَلْ الْفِنَاءُ مِلْكٌ لِصَاحِبِ الدَّارِ ، أَوْ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِهَا فِيهِ ؟ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ . أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِصَاحِبِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَفْنِيَةِ الَّتِي فِي الطَّرِيقِ ، يُكْرِيهَا أَهْلُهَا ، فَقَالَ : إنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً تَضُرُّ بِالْمُسْلِمِينَ ،