وَفِي رِوَايَةٍ فَكَانَتْ الْأُولَى فَرْضاً لَهُ ، وَالثَّانِيَةُ نَفْلاً ، وَاَلَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ لَيْسَ لَهُمْ حُجَّةٌ مُسْتَقِيمَةٌ فَإِنَّهُمْ احْتَجُّوا بِلَفْظٍ لَا يَدُلُّ عَلَى مَحَلِّ النِّزَاعِ .
كَقَوْلِهِ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ } .
وَبِأَنَّ { الْإِمَامَ ضَامِنٌ } فَلَا تَكُونُ صَلَاتُهُ أَنْقَصَ مِنْ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ مَا يَدْفَعُ تِلْكَ الْحُجَجَ .
وَالِاخْتِلَافُ الْمُرَادُ بِهِ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَفْعَالِ كَمَا جَاءَ مُفَسَّراً ، وَإِلَّا فَيَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ فَيَكُونُ مُتَنَفِّلاً خَلْفَ مُفْتَرِضٍ كَمَا هُوَ قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { يُصَلُّونَ بَعْدِي أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، ثُمَّ اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً } .
وَأَيْضاً : { فَإِنَّهُ صَلَّى بِمَسْجِدِ الْخَيْفِ ، فَرَأَى رَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا ، فَقَالَ : مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا قَالَا : صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا .
فَقَالَ : إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ } .
وَفِي السُّنَنِ { : أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً وَحْدَهُ فَقَالَ : أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّي مَعَهُ } .
فَهَذَا قَدْ ثَبَّتَ صَلَاةَ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، وَثَبَّتَ أَيْضاً بِالْعَكْسِ ، فَعُلِمَ أَنَّ مُوَافَقَةَ الْإِمَامِ فِي نِيَّةِ الْفَرْضِ أَوْ النَّفْلِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ { وَالْإِمَامَ ضَامِنٌ } وَإِنْ كَانَ مُتَنَفِّلاً .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي قِيَامَ رَمَضَانَ ، يُصَلِّي خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُتِمُّ رَكْعَتَيْنِ ، فَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ جَوَازُ هَذَا كُلِّهِ .
لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَلِّيَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 106
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٦