تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
إذَا كَانَتْ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ . وَالْإِجَارَةُ قَدْ لَا تَكُونُ لَازِمَةً ، كَمَا إذَا قَالَ : آجَرْتُك هَذِهِ الدَّارَ كُلَّ شَهْرٍ بِدِرْهَمَيْنِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ وَكُلَّمَا دَخَلَ شَهْرٌ فَلَهُ فَسْخُ الْإِجَارَةِ - وَالْجَعَالَةُ فِي مَعْنَى الْإِجَارَةِ وَلَيْسَتْ عَقْداً لَازِماً - فَالْعَقْدُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا وَقْتَ لَهُ لَا يَكُونُ لَازِماً وَأَمَّا الْمُوَقَّتُ فَقَدْ يَكُونُ لَازِماً . فَصْلٌ وَأَمَّا إجَارَةُ الْأَرْضِ بِجِنْسِ الطَّعَامِ الْخَارِجِ مِنْهَا : كَإِجَارَةِ الْأَرْضِ لِمَنْ يَزْرَعُهَا حِنْطَةً ، أَوْ شَعِيراً ، بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ ، فَهُوَ أَيْضاً جَائِزٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ . وَفِي الْأُخْرَى يُنْهَى عَنْهُ كَقَوْلِ مَالِكٍ - قَالُوا : لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْإِجَارَةِ هُوَ الطَّعَامُ فَهُوَ فِي مَعْنَى بَيْعِهِ بِجِنْسِهِ ، وَقَالُوا : هُوَ مِنْ الْمُخَابَرَةِ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بَيْعُ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ جُزَافاً . وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ هُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْأَرْضِ وَلِهَذَا إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الزَّرْعِ وَلَمْ يَزْرَعْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْأُجْرَةُ وَالطَّعَامُ إنَّمَا يَحْصُلُ بِعَمَلِهِ وَبَذْرِهِ ، وَبَذْرُهُ لَمْ يُعْطِهِ إيَّاهُ الْمُؤَجِّرُ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ الرِّبَا فِي شَيْءٍ - وَنَظِيرُ هَذَا أَنْ يَسْتَأْجِرَ قَوْماً لِيُسْتَخْرَجُوا لَهُ مَعْدِنَ ذَهَبٍ ، أَوْ فِضَّةٍ ، أَوْ رِكَازاً مِنْ الْأَرْضِ بِدَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ ، فَلَيْسَ هَذَا كَبَيْعِ الدَّرَاهِمِ بِدَرَاهِمَ . وَكَذَلِكَ مَنْ اسْتَأْجَرَ مَنْ يَشُقُّ الْأَرْضَ وَيَبْذُرُ فِيهَا وَيَسْقِيهَا بِطَعَامٍ مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى أَنْ يَبْذُرَ لَهُ طَعَاماً فَهَذَا مِثْلُ ذَلِكَ . وَالْمُخَابَرَةُ الَّتِي نَهَى عَنْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَسَّرَهَا رَافِعٌ رَاوِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهَا الْمُزَارَعَةُ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا لِرَبِّ الْأَرْضِ زَرْعُ بُقْعَةٍ بِعَيْنِهَا . وَلَكِنَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَعَلَ الْمُزَارَعَةَ كُلَّهَا مِنْ الْمُخَابَرَةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمُزَارَعَةُ عَلَى الْأَرْضِ الْبَيْضَاءِ مِنْ الْمُخَابَرَةِ كَالشَّافِعِيِّ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْمُزَارَعَةُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ مِنْ الْمُخَابَرَةِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : كِرَاءُ الْأَرْضِ بِجِنْسِ الْخَارِجِ مِنْهَا مِنْ الْمُخَابَرَةِ كَمَالِكٍ . وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُخَابَرَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا كَمَا فَسَّرَهَا بِهِ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ إذَا نَظَرَ فِيهِ ذُو الْبَصِيرَةِ بِالْحَلَالِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 103 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا