إذَا صَلَّى غَيْرُهُ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً أَنْ يُعِيدَهَا مَعَهُمْ تَبَعاً كَمَا يُعِيدُ الْفَرِيضَةَ تَبَعاً ، مِثْلُ : أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ يَأْتِيَ مَسْجِداً فِيهِ إمَامٌ رَاتِبٌ فَيُصَلِّي مَعَهُمْ ، فَإِنَّ هَذَا مَشْرُوعٌ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِلَا نِزَاعٍ ، وَكَذَلِكَ مَذْهَبُهُ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَى الْجِنَازَةِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا بَعْدَ غَيْرِهِ ، وَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى الْقَبْرِ إذَا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ ، هَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ قَاطِبَةً كَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ ، وَإِسْحَاقَ ، وَغَيْرِهِمْ ، وَمَالِكٌ لَا يَرَى الْإِعَادَةَ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرَاهَا إلَّا لِلْوَلِيِّ .
وَأَمَّا إذَا صَلَّى هُوَ عَلَى الْجِنَازَةِ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا غَيْرُهُ فَهَلْ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا مَعَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ، فِيهِ وَجْهَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ : قِيلَ : لَا يُعِيدُهَا ، قَالُوا : لِأَنَّ الثَّانِيَةَ نَفْلٌ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ لَا يُتَنَفَّلُ بِهَا .
وَقِيلَ : بَلْ لَهُ أَنْ يُعِيدَهَا ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ النَّبِيَّ لَمَّا صَلَّى عَلَى قَبْرٍ مَدْفُونٍ صَلَّى مَعَهُ مَنْ كَانَ صَلَّى عَلَيْهَا أَوَّلاً ، وَإِعَادَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ مِنْ جِنْسِ إعَادَةِ الْفَرِيضَةِ ، فَتُشْرَعُ حَيْثُ شَرَعَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وَعَلَى هَذَا فَهَلْ يَؤُمُّ عَلَى الْجِنَازَةِ مَرَّتَيْنِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
1045 - 21 مَسْأَلَةٌ : فِي حُكْمِ الْبِنَاءِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ الْوَاسِعِ .
إذَا كَانَ الْبِنَاءُ لَا يَضُرُّ فِي الْمَارَّةِ وَذَلِكَ نَوْعَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَبْنِيَ لِنَفْسِهِ فَهَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ ، بِإِذْنِ الْإِمَامِ وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى ، وَمِنْ خَطِّهِ نَقَلْتُهُ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ حَدَثَتْ فِي أَيَّامِهِ ، وَاخْتَلَفَ فِيهَا جَوَابُ الْمُفْتِينَ فَذَكَرَ فِي الْمَسْأَلَةِ حَادِثَةً فِي الطَّرِيقِ الْوَاسِعِ ، هَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْذَنَ فِي حِيَازَةِ بَعْضِهِ ؟ بَيَّنَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ أَفْتَى بِالْجَوَازِ ، وَأَفْتَى بَعْضُهُمْ بِالْمَنْعِ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي ، وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إذَا كَانَ الطَّرِيقُ قَدْ سَلَكَهُ النَّاسُ وَصُيِّرَ طَرِيقاً ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئاً قَلِيلاً وَلَا كَثِيراً ، قِيلَ لَهُ : وَإِنْ كَانَ وَاسِعاً مِثْلَ الشَّوَارِعِ ، قَالَ : وَإِنْ كَانَ وَاسِعاً
الفتاوى الكبرى — صفحة 108
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٨