تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
عَلَى الِاخْتِلَافِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ الْكُفَّارِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِغَيْرِ شَرْعٍ مِنْهُ مَا سَبَبُهُ تَحْرِيمُ الْأَعْيَانِ ، وَمِنْهُ مَا سَبَبُهُ تَحْرِيمُ الْأَفْعَالِ ، كَمَا كَانُوا يُحَرِّمُونَ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسَ ثِيَابِهِ وَالطَّوَافَ فِيهَا إذَا لَمْ يَكُنْ خَمْسِيّاً ، وَيَأْمُرُونَهُ بِالتَّعَرِّي إلَّا أَنْ يُعِيرَهُ خُمُسَيْ ثَوْبِهِ ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ الدُّخُولَ تَحْتَ سَقْفٍ ، وَكَمَا كَانَ النَّصَارَى يُحَرِّمُونَ إتْيَانَ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ فِي فَرْجِهَا إذَا كَانَ يُحِبُّهَا ، وَيُحَرِّمُونَ الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَكَانُوا مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَنْقُضُونَ الْعُهُودَ الَّتِي عَقَدُوهَا بِلَا شَرْعٍ ، فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْوَفَاءِ بِهَا فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَغَيْرِهَا ، إلَّا مَا اشْتَمَلَ عَلَى مُحَرَّمٍ ، فَعُلِمَ أَنَّ الْعَهْدَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا إذَا لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ حِلُّهَا بِشَرْعٍ خَاصٍّ كَالْعُهُودِ الَّتِي عَقَدُوهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأُمِرُوا بِالْوَفَاءِ بِهَا ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ إلَّا لِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَلَا يَحْرُمُ إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَمَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِي شَرَّعُوا مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ، وَحَرَّمُوا مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ ، فَإِذَا حَرَّمْنَا الْعُقُودَ وَالشُّرُوطَ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ النَّاسِ فِي مُعَامَلَاتِهِمْ الْعَادِيَّةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ ، كُنَّا مُحَرِّمِينَ مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ بِخِلَافِ الْعُقُودِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ شَرْعَ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ أَنْ يُشَرَّعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ ، فَلَا يُشَرَّعُ عَادَةً إلَّا بِشَرْعٍ وَلَا يُحَرَّمُ عَادَةً إلَّا بِتَحْرِيمِ اللَّهِ ، وَالْعُقُودُ فِي الْمُعَامَلَاتِ هِيَ مِنْ الْعَادَاتِ يَفْعَلُهَا الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قُرْبَةٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَلَيْسَتْ مِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي يُفْتَقَرُ فِيهَا إلَى شَرْعٍ ، كَالْعِتْقِ وَالصَّدَقَةِ . فَإِنْ قِيلَ : الْعُقُودُ تُغَيِّرُ مَا كَانَ مَشْرُوعاً ؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْبُضْعِ أَوْ الْمَالِ إذَا كَانَ ثَابِتاً عَلَى حَالٍ فَعَقَدَ عَقْداً أَزَالَهُ عَنْ تِلْكَ الْحَالِ فَقَدْ غَيَّرَ مَا كَانَ مَشْرُوعاً بِخِلَافِ الْأَعْيَانِ الَّتِي لَمْ تُحَرَّمْ ، فَإِنَّهُ لَا تَغْيِيرَ فِي إبَاحَتِهَا فَيُقَالُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَعْيَانَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مِلْكاً لِشَخْصٍ أَوْ لَا ، فَإِنْ كَانَتْ مِلْكاً فَانْتِقَالُهَا بِالْبَيْعِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى عَمْرٍو هُوَ مِنْ بَابِ الْعُقُودِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِلْكاً فَيَمْلِكُهَا بِلَا سَبِيلٍ وَنَحْوِهِ هُوَ فِعْلٌ مِنْ الْأَفْعَالِ مُغَيِّرٌ لِحُكْمِهَا بِمَنْزِلَةِ الْعُقُودِ ، وَأَيْضاً فَإِنَّهَا قَبْلَ الذَّكَاةِ مُحَرَّمَةٌ فَالذَّكَاةُ كَالْوَارِدَةِ عَلَيْهَا بِمَنْزِلَةِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَالِ ، فَكَمَا أَنَّ أَفْعَالَنَا فِي الْأَعْيَانِ مِنْ الْأَخْذِ وَالذَّكَاةُ الْأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ ، وَإِنْ غَيَّرَ حُكْمَ الْعَيْنِ فَكَذَلِكَ أَفْعَالُنَا فِي الْأَمْلَاكِ بِالْعُقُودِ وَنَحْوِهَا الْأَصْلُ فِيهَا الْحِلُّ ، وَإِنْ غَيَّرَتْ حُكْمَ الْمِلْكِ لَهُ . وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْأَحْكَامَ الثَّابِتَةَ بِأَفْعَالِنَا كَالْمِلْكِ الثَّابِتِ بِالْبَيْعِ وَمِلْكِ الْبُضْعِ