الْأَوَّلَ لَكِنَّ كَثِيرَ بْنَ عَمْرٍو ضَعَّفَهُ الْجَمَاعَةُ وَضَرَبَ أَحْمَدُ عَلَى حَدِيثِهِ فِي الْمُسْنَدِ فَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ ، فَلَعَلَّ تَصْحِيحَ التِّرْمِذِيِّ لَهُ لِرِوَايَتِهِ مِنْ وُجُوهٍ ، فَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ أَيْضاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ السَّلْمَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { النَّاسُ عَلَى شُرُوطِهِمْ مَا وَافَقَتْ الْحَقَّ } .
هَذِهِ الْأَسَانِيدُ وَإِنْ كَانَ الْوَاحِدُ مِنْهَا ضَعِيفاً فَاجْتِمَاعُهَا مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضاً ، هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ ، فَإِنَّ الْمُشْتَرِطَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُبِيحَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلَا يُحَرِّمُ مَا أَبَاحَهُ اللَّهُ ، فَإِنَّ شَرْطَهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ إبْطَالاً لِحُكْمِ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسْقِطَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ ، وَإِنَّمَا الْمُشْتَرِطُ لَهُ أَنْ يُوجِبَ بِالشَّرْطِ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِباً بِدُونِهِ ، فَمَقْصُودُ الشُّرُوطِ وُجُوبُ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِباً وَلَا حَرَاماً وَعَدَمُ الْإِيجَابِ لَيْسَ نَفْياً لِلْإِيجَابِ حَتَّى يَكُونَ الْمُشْتَرِطُ مُنَاقِضاً لِلشَّرْعِ ، وَكُلُّ شَرْطٍ صَحِيحٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يُفِيدَ وُجُوبَ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِباً ، وَيُبَاحُ أَيْضاً لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ مُبَاحاً ، وَيُحَرِّمُ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ حَرَاماً ، وَكَذَلِكَ كُلٌّ مِنْ الْمُتَآجِرَيْنِ وَالْمُتَنَاكِحِينَ ، وَكَذَلِكَ إذَا اشْتَرَطَ صِفَةً فِي الْمَبِيعِ أَوْ رَهْناً أَوْ اشْتَرَطَتْ الْمَرْأَةُ زِيَادَةً عَلَى مَهْرِ مِثْلِهَا ، فَإِنَّهُ يَجِبُ وَيَحْرُمُ وَيُبَاحُ بِهَذَا الشَّرْطِ مَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي أَوْهَمَ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَصْلَ فَسَادُ الشُّرُوطِ ، قَالَ : لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تُبِيحَ حَرَاماً أَوْ تُحَرِّمَ حَلَالاً أَوْ تُوجِبَ سَاقِطاً أَوْ تُسْقِطَ وَاجِباً ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الشَّارِعِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ شُبْهَةٌ عِنْدَ بَعْضِ النَّاسِ حَتَّى تُوُهِّمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَنَاقِضٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، بَلْ كُلُّ مَا كَانَ حَرَاماً بِدُونِ الشَّرْطِ فَالشَّرْطُ لَا يُبِيحُهُ كَالزِّنَا وَكَالْوَطْءِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ ، وَكَثُبُوتِ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتِقِ ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الْوَطْءَ ، إلَّا بِمِلْكِ نِكَاحٍ أَوْ بِمِلْكِ يَمِينٍ ، فَلَوْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُعِيرَ أَمَتَهُ لِلْوَطْءِ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ ، بِخِلَافِ إعَارَتِهَا لِلْخِدْمَةِ ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ ، وَكَذَلِكَ الْوَلَاءُ ، نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ ، وَجَعَلَ اللَّهُ الْوَلَاءَ كَالنَّسَبِ يَثْبُتُ لِلْمُعْتِقِ كَمَا يَثْبُتُ النَّسَبُ لِلْوَالِدِ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً } أَبْطَلَ اللَّهُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 89
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٩