لِإِيجَابِ الشَّارِعِ الْوَفَاءَ بِهَا مُطْلَقاً إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَفَاءَ بِهَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الْمِلَلُ ، بَلْ وَالْعُقَلَاءُ جَمِيعُهُمْ وَأَدْخَلَهَا فِي الْوَاجِبَاتِ الْعَقْلِيَّةِ مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ الْعَقْلِيِّ فَفِعْلُهَا ابْتِدَاءً لَا يُحَرَّمُ إلَّا بِتَحْرِيمِ الشَّارِعِ ، وَالْوَفَاءُ بِهَا وَاجِبٌ لِإِيجَابِ الشَّرْعِ ، وَكَذَا الْإِيجَابُ الْعَقْلِيُّ أَيْضاً ، وَأَيْضاً فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ رِضَى الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَنَتِيجَتُهَا هُوَ مَا أَوْجَبَاهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا بِالتَّعَاقُدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } .
وَقَالَ : { فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً } .
فَعَلَّقَ جَوَازَ الْأَكْلِ بِطِيبِ النَّفْسِ تَعْلِيقَ الْجَزَاءِ بِشَرْطِهِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ وَهُوَ حُكْمٌ مُعَلَّقٌ عَلَى وَصْفِ مُشْتَقٍّ مُنَاسِبٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ سَبَبٌ لِذَلِكَ الْحُكْمِ ، وَإِذَا كَانَ طِيبُ النَّفْسِ هُوَ الْمُبِيحُ لِلصَّدَاقِ فَكَذَلِكَ سَائِرُ التَّبَرُّعَاتِ قِيَاساً بِالْعِلَّةِ الْمَنْصُوصَةِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ } ، لَمْ يُشْتَرَطْ فِي التِّجَارَةِ إلَّا التَّرَاضِي ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ التَّرَاضِيَ هُوَ الْمُبِيحُ لِلتِّجَارَةِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِذَا تَرَاضَى الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ طَابَتْ نَفْسُ الْمُتَبَرِّعِ بِتَبَرُّعٍ ثَبَتَ حِلُّهُ بِدَلَالَةِ الْقُرْآنِ إلَّا أَنْ يَتَضَمَّنَ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ كَالتِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَأَيْضاً فَإِنَّ الْعَقْدَ لَهُ حَالَانِ ، حَالُ إطْلَاقٍ وَحَالُ تَقَيُّدٍ ، فَفُرِّقَ بَيْنَ الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ الْمَعْنَى الْمُطْلَقِ مِنْ الْعُقُودِ .
فَإِذَا قِيلَ : هَذَا شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ تَنَافِي الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ ، فَكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ زَائِدٍ وَهَذَا لَا يَضُرُّهُ ، وَإِنْ أُرِيدَتَا فِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ احْتَاجَ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا إذَا أَتَى فِي مَقْصُودِ الْعَقْدِ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ إذَا كَانَ لَهُ مَقْصُودٌ يُرَادُ جَمِيعُ صُوَرِهِ وَشُرِطَ فِيهِ مَا يُنَافِي ذَلِكَ الْمَقْصُودَ ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ بَيْنَ إثْبَاتِ الْمَقْصُودِ وَنَفْيِهِ ، فَلَا يَحْصُلُ شَيْءٌ ، وَمِثْلُ هَذَا الشَّرْطِ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ ، بَلْ هُوَ مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ عِنْدَنَا .
وَالشُّرُوطُ الْفَاسِدَةُ قَدْ تَبْطُلُ لِكَوْنِهَا قَدْ تُنَافِي مَقْصُودَ الشَّارِعِ مِثْلُ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ
الفتاوى الكبرى — صفحة 93
مساهمون: ابن تيمية
ص٩٣