تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
وَرَجُلٌ بَاعَ حُرّاً ثُمَّ أَكَلَ ثَمَنَهُ ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ } ، فَذَمَّ الْغَادِرَ وَكُلَّ مَنْ شَرَطَ شَرْطاً ثُمَّ نَقَضَهُ فَقَدْ غَدَرَ . فَقَدْ جَاءَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالشُّرُوطِ وَالْمَوَاثِيقِ وَالْعُقُودِ ، وَبِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَرِعَايَةِ ذَلِكَ ، وَالنَّهْيِ عَنْ الْغَدْرِ وَنَقْضِ الْعُهُودِ وَالْخِيَانَةِ وَالتَّشْدِيدِ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْحَظْرَ وَالْفَسَادَ ، إلَّا مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرَ بِهَا مُطْلَقاً وَيُذَمَّ مَنْ نَقَضَهَا وَغَدَرَ مُطْلَقاً . كَمَا أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ الْحَظْرَ إلَّا مَا أَبَاحَهُ الشَّرْعُ أَوْ أَوْجَبَهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُؤْمَرَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَيُحْمَلَ عَلَى الْقَدْرِ الْمُبَاحِ ، بِخِلَافِ مَا كَانَ جِنْسُهُ وَاجِباً كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِهِ مُطْلَقاً ، وَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ شُرُوطٌ وَمَوَانِعُ فَيُنْهَى عَنْ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، وَعَنْ الصَّدَقَةِ بِمَا يَضُرُّ النَّفْسَ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الصِّدْقُ فِي الْحَدِيثِ مَأْمُورٌ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْرُمُ الصِّدْقُ أَحْيَاناً لِعَارِضٍ ، وَيَجِبُ السُّكُوتُ وَالتَّعْرِيضُ ، وَإِذَا كَانَ حُسْنُ الْوَفَاءِ وَرِعَايَةُ الْعَهْدِ مَأْمُوراً بِهِ ، عُلِمَ أَنَّ الْأَصْلَ صِحَّةُ الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ ، إذْ لَا مَعْنَى لِلتَّصْحِيحِ إلَّا مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَحَصَلَ بِهِ مَقْصُودُهُ ، وَمَقْصُودُهُ هُوَ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِذَا كَانَ الشَّرْعُ قَدْ أَمَرَ بِمَقْصُودِ الْعُهُودِ ، دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الصِّحَّةُ وَالْإِبَاحَةُ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحاً أَحَلَّ حَرَاماً أَوْ حَرَّمَ حَلَالاً وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ } . وَكَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فِي رِوَايَةٍ هُوَ ثِقَةٌ ، وَضَعَّفَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالاً وَأَحَلَّ حَرَاماً وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إلَّا شَرْطاً حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَاماً } . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ اللَّفْظَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 88 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا