أَرَدْتَ بَيْعَهَا فَأَنَا أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي تَأْخُذُهَا بِهِ مِنِّي ، قَالَ : لَا بَأْسَ بِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا وَلَا يَقْرَبُهَا وَلَهُ فِيهَا شَرْطٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ لِرَجُلٍ : لَا يَقْرَبَنَّهَا وَلِلْآخَرِ فِيهَا شَرْطٌ .
وَقَالَ حَنْبَلٌ : حَدَّثَنَا عَفَّانَ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ ، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَرَى جَارِيَةً مِنْ امْرَأَتِهِ ، وَشَرَطَ لَهَا إنْ بَاعَهَا فَهِيَ لَهَا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا ، فَسَأَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ : لَا يَنْكِحُهَا وَفِيهَا شَرْطٌ .
قَالَ حَنْبَلٌ : قَالَ عُمَرُ : كُلُّ شَرْطٍ فِي فَرْجٍ فَهُوَ عَلَى هَذَا .
وَالشَّرْطُ الْوَاحِدُ فِي الْبَيْعِ جَائِزٌ إلَّا أَنَّ عُمَرَ كَرِهَ لِابْنِ مَسْعُودٍ أَنْ يَطَأَهَا ، ؛ لِأَنَّهُ شَرَطَ لِامْرَأَتِهِ الَّذِي شَرَطَ فَكَرِهَ عُمَرُ أَنْ يَطَأَهَا وَفِيهَا شَرْطٌ .
وَقَالَ الْكَرْمَانِيُّ : سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ رَجُلٍ اشْتَرَى جَارِيَةً وَشَرَطَ لِأَهْلِهَا أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ فَكَأَنَّهُ رَخَّصَ فِيهِ ، وَلَكِنَّهُمْ إنْ اشْتَرَطُوا لَهُ إنْ بَاعَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا بِالثَّمَنِ فَلَا يَقْرَبُهَا ، يَذْهَبُ إلَى حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، فَقَدْ نَصَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ عَلَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْبَائِعُ بَيْعَهَا لَمْ يَمْلِكْ إلَّا رَدَّهَا إلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ كَالْمُقَابَلَةِ .
وَأَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُبْطِلِ لِهَذَا الشَّرْطِ ، وَرُبَّمَا تَأَوَّلُوا قَوْلَهُ : جَائِزٌ أَيْ الْعَقْدُ جَائِزٌ وَبَقِيَّةُ نُصُوصِهِ تُصَرِّحُ بِأَنَّ مُرَادَهُ الشَّرْطُ أَيْضاً ، وَاتَّبَعَ فِي ذَلِكَ الْقِصَّةَ الْمَأْثُورَةَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّلَاثَةُ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَكَذَلِكَ اُشْتُرِطَ الْمَبِيعُ فَلَا يَبِيعُهُ وَلَا يَهَبُهُ أَوْ يَتَسَرَّاهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ يُعَيَّنُ لِصَرْفٍ وَاحِدٍ ، كَمَا رَوَى عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ صُهَيْبٍ دَاراً ، وَشَرَطَ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى صُهَيْبٍ وَذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ، وَجِمَاعُ ذَلِكَ أَنَّ الْمِلْكَ يُسْتَفَادُ بِهِ تَصَرُّفَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ .
فَكَمَا أَجَازَ الْإِجْمَاعُ اسْتِثْنَاءَ بَعْضِ الْمَبِيعِ ، وَجَوَّزَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ اسْتِثْنَاءَ بَعْضِ مَنَافِعِهِ جَوَّزَ أَيْضاً اسْتِثْنَاءَ بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ .
وَعَلَى هَذَا فَمَنْ قَالَ هَذَا الشَّرْطُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُطْلَقاً فَإِنْ أَرَادَ الْأَوَّلَ فَكُلُّ شَرْطٍ كَذَلِكَ ، وَإِنْ أَرَادَ الثَّانِيَ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ، وَإِنَّمَا الْمَحْذُورُ أَنْ يُنَافِيَ مَقْصُودَ الْعَقْدِ كَاشْتِرَاطِ الطَّلَاقِ فِي النِّكَاحِ ، أَوْ اشْتِرَاطِ الْفَسْخِ فِي الْعَقْدِ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 82
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٢