تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
وَالْحُجَّةُ الثَّانِيَةُ : أَنَّهُمْ يَقِيسُونَ جَمِيعَ الشُّرُوطِ الَّتِي تُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ عَلَى اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ كَوْنُهُ مُخَالِفاً لِمُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْعُقُودَ تُوجِبُ مُقْتَضَيَاتِهَا بِالشَّرْعِ ، فَإِذاً إرَادَةُ تَغْيِيرِهَا تَغْيِيرٌ لِمَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ بِمَنْزِلَةِ تَغْيِيرِ الْعِبَادَاتِ ، وَهَذَا نُكْتَةُ الْقَاعِدَةِ ، وَهِيَ أَنَّ الْعُقُودَ مَشْرُوعَةٌ عَلَى وَجْهٍ ، فَاشْتِرَاطُ مَا يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا تَغْيِيرٌ لِلْمَشْرُوعِ . وَلِهَذَا كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، لَا يُجَوِّزُونَ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْعِبَادَاتِ شَرْطاً يُخَالِفُ مُقْتَضَاهَا ، فَلَا يُجَوِّزُونَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْإِحْلَالَ بِالْعُذْرِ مُتَابَعَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، حَيْثُ كَانَ يُنْكِرُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ ، وَيَقُولُ أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ ، وَقَدْ اسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } . وَقَوْلُهُ : { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ } . { وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } . قَالُوا : فَالشُّرُوطُ وَالْعُقُودُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ تَعَدٍّ لِحُدُودِ اللَّهِ وَزِيَادَةٌ فِي الدِّينِ ، وَمَا أَبْطَلَهُ هَؤُلَاءِ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي دَلَّتْ النُّصُوصُ عَلَى جَوَازِهَا بِالْعُمُومِ أَوْ بِالْخُصُوصِ قَالُوا ذَلِكَ مَنْسُوخٌ ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فِي شُرُوطِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، أَوْ قَالُوا هَذَا عَامٌّ أَوْ مُطْلَقٌ فَيُخَصُّ بِالشُّرُوطِ الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَاحْتَجُّوا أَيْضاً بِحَدِيثٍ يُرْوَى فِي حِكَايَةٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ، وَشَرِيكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ جَمَاعَاتٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْفِقْهِ ، وَلَا يُوجَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ دَوَاوِينِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ تُعَارِضُهُ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ الْمَعْرُوفُونَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ أَنَّ اشْتِرَاطَ صِفَةٍ فِي الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِ كَاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاتِباً أَوْ صَانِعاً ، أَوْ اشْتِرَاطِ طُولِ الثَّوْبِ أَوْ قَدْرِ الْأَرْضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ شَرْطٌ صَحِيحٌ . الْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعُقُودِ وَالشُّرُوطِ الْجَوَازُ وَالصِّحَّةُ ، وَلَا يَحْرُمُ وَيَبْطُلُ مِنْهَا إلَّا مَا دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، وَإِبْطَالِهِ نَصٌّ ، أَوْ قِيَاسٌ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ ، وَأُصُولُ أَحْمَدَ