تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
فَيَظْهَرُ الرِّبَا ، فَالْقُبَالَاتُ الَّتِي ذَكَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّهَا رِباً أَنْ يَضْمَنَ الْأَرْضَ الَّتِي فِيهَا النَّخْلُ وَالْفَلَّاحُونَ ، بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ جِنْسٍ مِنْهَا ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ قَرْيَةٌ فِيهَا شَجَرٌ وَأَرْضٌ وَفِيهَا فَلَّاحُونَ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَعْمَلُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالثَّمَرِ بَعْدَ أُجْرَةِ الْفَلَّاحِينَ أَوْ نَصِيبِهِمْ ، فَيَضْمَنُهُ رَجُلٌ مِنْهُ بِمِقْدَارٍ مِنْ الْحِنْطَةِ وَالثَّمَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَهَذَا يَظْهَرُ تَسْمِيَتُهُ بِالرِّبَا ، فَأَمَّا ضَمَانُ الْأَرْضِ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فَلَيْسَ مِنْ بَابِ الرِّبَا بِسَبِيلٍ ، وَمَنْ حَرَّمَهُ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ ، ثُمَّ إنَّ أَحْمَدَ لَمْ يَكْرَهْ ذَلِكَ ، إذَا كَانَتْ أَرْضاً بَيْضَاءَ ؛ لِأَنَّ الْإِجَارَةَ عِنْدَهُ جَائِزَةٌ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِ الْخَارِجِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ يَعْمَلُ فِي الْأَرْضِ بِمَنْفَعَتِهِ وَمَالِهِ فَيَكُونُ الْمُغَلُّ بِكَسْبِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ فِيهَا الْعُلُوجُ وَهُمْ الَّذِينَ يُعَالِجُونَ الْعَمَلَ ، فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ فِيهَا شَيْئاً لَا بِمَنْفَعَتِهِ وَلَا بِمَالِهِ ، بَلْ الْعُلُوجُ يَعْمَلُونَهَا ، وَهُوَ يُؤَدِّي الْقُبَالَةَ وَيَأْخُذُ بَدَلَهَا ، فَهُوَ طَلَبُ الرِّبْحِ فِي مُبَادَلَةِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ صِنَاعَةٍ وَلَا تِجَارَةٍ ، وَهَذَا هُوَ الرِّبَا ، وَنَظِيرُ هَذَا مَا جَاءَ عَنْ . أَنَّهُ رِباً ، وَهُوَ اكْتِرَاءُ الْحَمَامِ وَالطَّاحُونِ وَالْفَنَادِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يَنْتَفِعُ الْمُسْتَأْجِرُ بِهِ فَلَا يَتَّجِرُ فِيهِ ، وَلَا يَصْطَنِعُ فِيهِ وَإِنَّمَا يَلْتَزِمُهُ لِيُكْرِيَهُ فَقَطْ ، فَقَدْ قِيلَ : هُوَ رِباً ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رِباً لِأَجْلِ النَّخْلِ ، وَلَا لِأَجْلِ الْأَرْضِ إذَا كَانَ بِغَيْرِ جِنْسِ الْمُغَلِّ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ رِباً لِأَجْلِ الْعُلُوجِ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ لَا حَاجَةَ إلَيْهَا فَإِنَّ الْعُلُوجَ يَقُومُونَ بِهَا فَيَتَقَبَّلُهَا الْآخَرُ مُرَابَاةً وَلِهَذَا كَرِهَهَا أَحْمَدُ وَإِنْ كَانَتْ بَيْضَاءَ إذْ كَانَ فِيهَا الْعُلُوجُ . وَقَدْ اسْتَدَلَّ حَرْبٌ عَلَى الْمَسْأَلَةِ { بِمُعَامَلَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ خَيْبَرَ ، بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَرْعٍ عَلَى أَنْ يَعْمُرُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا فِي الْمَعْنَى إكْرَاءُ الْأَرْضِ وَالشَّجَرِ بِشَيْءٍ مَضْمُونٍ ؛ لِأَنَّ إعْطَاءَ الثَّمَرِ لَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِ لَكَانَ إعْطَاءُ بَعْضِهِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا أَصْلَانِ . الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَتَى كَانَ بَيْنَ الشَّجَرِ أَرْضٌ أَوْ مَسَاكِنُ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى كِرَائِهِمَا جَمِيعاً فَيَجُوزُ لِأَجْلِ الْحَاجَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ غَرَرٌ يَسِيرٌ ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ الْبُسْتَانُ وَقْفاً أَوْ مَالَ يَتِيمٍ فَإِنَّ تَعْطِيلَ مَنْفَعَتِهِ لَا يَجُوزُ ، وَاكْتِرَاءُ الْأَرْضِ أَوْ الْمَسْكَنِ وَحْدَهُ لَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ ، وَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ اكْتَرَاهُ بِنَقْصٍ كَثِيرٍ عَنْ قِيمَتِهِ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْمُبَاحُ إلَّا بِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ ، فَكُلَّمَا أَثْبَتَ إبَاحَتَهُ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَجَبَ إبَاحَةُ لَوَازِمِهِ إذَا