الْمَجْمُوعِ عَلَى الْمَجْمُوعِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ وَلَدٍ كَانَ نَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا حَمَلُ اللَّفْظِ الْوَاحِدَ عَلَى مَفْهُومَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ؛ فَإِنَّ فَائِدَتَهُ فِي الْأَوَّلِ بَيَانُ تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ عَلَى الْأَفْرَادِ ، وَفِي الثَّانِي بَيَانُ اخْتِصَاصِ الطَّبَقَةِ بِنَصِيبِ الْمُتَوَفَّى .
فَمَنْ مَنَعَ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ حَقِيقَتَانِ .
أَوْ مَجَازَانِ أَوْ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ : يَمْنَعُ مِنْهُ ، وَمَنْ جَوَّزَهُ .
قُلْنَا : عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ : إذَا ثَبَتَ أَمْرٌ بِلَفْظِ الْوَاقِفِ نَصّاً لَمْ يَجُزْ تَغْيِيرُهُ بِمُحْتَمَلٍ مُتَرَدِّدٍ .
قِيلَ هَذَا السُّؤَالُ ضَعِيفٌ جِدّاً لِوُجُوهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ مُورِدَهُ جَعَلَهُ مُقَرَّراً لِوَجْهٍ ثَانٍ فِي بَيَانِ عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ ؛ غَيْرَ مَا ذُكِرَ أَوَّلاً مِنْ عَوْدِ الِاسْتِثْنَاءِ إلَى الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ .
ثُمَّ إنَّهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ - عَلَى قَوْلِ الْمُجَوِّزِينَ لَأَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ الْوَاحِدِ مَعْنَيَاهُ - اعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ الْجَوَابِ ، فَمَا صَارَ وَجْهاً آخَرَ .
الثَّانِي : أَنَّا نَقُولُ : هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الشَّرْطَ أَفَادَ فِي الطَّبَقَةِ الْأَخِيرَةِ عَدَدَ نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَى ذَوِي طَبَقَتِهِ .
وَالْمُتَوَفَّى عَنْ وَلَدٍ يَشْتَرِكُ فِيهِ جَمِيعُ الطَّبَقَةُ .
وَهَذَا مَمْنُوعٌ مِنْ وَجْهَيْنِ تَقَدَّمَا .
الثَّالِثُ : لَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ فَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ؛ إنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ ، وَذَلِكَ مَعْدُودٌ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُتَوَاطِئَةِ .
وَذَلِكَ أَنَّ فَائِدَةَ اللَّفْظِ بِمَنْطُوقِهِ نَقْلُ نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ إلَى طَبَقَتِهِ .
وَهَذِهِ فَائِدَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ فِي جَمِيعِ الْجُمَلِ .
ثُمَّ إنَّ تَقَيُّدَ الِانْتِقَالِ إلَى الطَّبَقَةِ بِوُجُودِ الْوَلَدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَنَى تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ .
وَهَذِهِ دَلَالَةٌ لُزُومِيَّةٌ .
وَاللَّفْظُ إذَا دَلَّ بِالْمُطَابَقَةِ عَلَى مَعْنًى وَبِالِالْتِزَامِ عَلَى مَعْنًى آخَرَ لَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ الْقِسْمِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ، كَعَامَّةِ الْأَلْفَاظِ ، فَإِنَّ كَوْنَهُ دَلِيلاً عَلَى تَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ إنَّمَا جَاءَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ شَرَطَ فِي اسْتِحْقَاقِ الطَّبَقَةِ نَصِيبَ الْمُتَوَفَّى عَدَمَ وَلَدِهِ .
ثُمَّ عُلِمَ بِالْعَقْلِ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ تَرْتِيبَ الْمَجْمُوعِ لَمْ يَشْرِطْهُ بِهَذَا الشَّرْطِ ؛ فَإِنَّ تَرْتِيبَ الْمَجْمُوعِ وَاشْتِرَاطَ هَذَا الشَّرْطِ مُتَنَافِيَانِ ، وَكَوْنُ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ يَتَنَافَيَانِ قَضِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فُهِمَتْ بَعْدَ تَصَوُّرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ ؛ لِأَنَّ أَحَدَ اللَّفْظَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِمَا بِالْوَضْعِ .
وَهَذَا كَمَا فَهِمُوا مِنْ قَوْلِهِ : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً } مَعَ
الفتاوى الكبرى — صفحة 338
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٨