قَوْله تَعَالَى : { يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } إنَّ أَقَلَّ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .
وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ .
الرَّابِعُ : لَوْ فُرِضَ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْهِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَنْعَ ذَلِكَ هُوَ الْحَقُّ ؛ بَلْ لَيْسَ ذَلِكَ مَذْهَبَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ عَامَّةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَعَامَّةِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِجَوَازِ ذَلِكَ ، فَلِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى مَا يَعْتَقِدُ هُوَ صِحَّتَهُ وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ ؟ ، الْخَامِسُ : أَنَّ مَا ادَّعَوْهُ مِنْ أَنَّ النَّصَّ لَا يُدْفَعُ بِمُحْتَمَلٍ .
تَقَدَّمَ جَوَابُهُ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ لَا نَصَّ هُنَا ؛ بَلْ يُدْفَعُ الْمُحْتَمَلُ بِالنَّصِّ .
وَذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ : أَنَّهُ قُصِدَ بِهَذَا الشَّرْطِ نَفْيُ انْقِطَاعِ الْوَقْفِ ، وَنَفْيُ اشْتِرَاكِ جَمِيعِ أَهْلِ الْوَقْفِ فِي نَصِيبِ الْمُتَوَفَّى عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ ، وَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ عَنْ : وَلَدِهِ .
تَرْتِيبَ الْأَفْرَادِ .
فَإِنْ قِيلَ : عَوْدُهُ إلَى جَمِيعِ الْجُمَلِ يُوجِبُ انْقِطَاعَ الْوَقْفِ فِي الْوَسَطِ فَحَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى مَا يَنْفِي الِانْقِطَاعَ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ مَنْ مَاتَ عَنْ وَلَدٍ لَا يُصْرَفُ نَصِيبَهُ إلَى الطَّبَقَةِ عَمَلاً بِمُوجَبِ الشَّرْطِ ، وَلَا إلَى الْوَلَدِ عَمَلاً بِمُوجَبِ التَّرْتِيبِ الْمُطْلَقِ .
فَإِنْ قُلْتُمْ : إذَا جَعَلْنَاهُ مَبْنِيّاً لِتَرْتِيبِ الْأَفْرَادِ لَمْ يَكُنْ مُوجِباً لِلِانْقِطَاعِ فَنُجِيبُ عَنْهُ بِالْبَحْثِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَهُوَ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الطَّبَقَةِ مُسْتَحَقٌّ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ ، فَلَا يُتْرَكُ بِمُتَرَدِّدٍ مُحْتَمَلٍ .
قِيلَ : أَوَّلاً هَذَا الْوَجْهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَذَا الْبَحْثِ ، وَهُوَ إنَّمَا ذُكِرَ لِيَكُونَ مُؤَيِّداً لَهُ ، وَالْمُؤَيِّدُ لِلشَّيْءِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَهُ ، وَلَا يَكُونُ مُعْتَمِداً عَلَيْهِ .
فَإِذَا كَانَ الْوَجْهُ لَا يَتِمُّ إلَّا بِذَلِكَ الْبَحْثِ كَانَتْ صِحَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى صِحَّتِهِ ، وَالْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْ أَصْلِهِ ، وَلَا يُكْسِبُهُ قُوَّةً ؛ بَلْ يَكُونُ تَقْوِيَةُ ذَلِكَ الْوَجْهِ بِهِ تَقْوِيَةَ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ .
وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 339
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٣٩