تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
الْجَوَابُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، النَّاظِرُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئاً فِي أَمْرِ الْوَقْفِ إلَّا بِمُقْتَضَى الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ الْأَصْلَحَ ، فَالْأَصْلَحَ . وَإِذَا جَعَلَ الْوَاقِفُ لِلنَّاظِرِ صَرْفَ مَنْ شَاءَ ، وَزِيَادَةَ مَنْ أَرَادَ زِيَادَتَهُ وَنُقْصَانَهُ ، فَلَيْسَ لِلَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِهَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشْتَهِيه ، أَوْ مَا يَكُونُ فِيهِ اتِّبَاعُ الظَّنِّ ، وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ؛ بَلْ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِهَذَا الشَّرْطِ أَنْ يَفْعَلَ مِنْ الْأُمُورِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ مَا يَكُونُ إرْضَاءً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . وَهَذَا فِي كُلِّ مَنْ تَصَرَّفَ لِغَيْرِهِ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ ، كَالْإِمَامِ ، وَالْحَاكِمِ ، وَالْوَاقِفِ ، وَنَاظِرِ الْوَقْفِ ، وَغَيْرِهِمْ : إذَا قِيلَ : هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ يَفْعَلُ مَا شَاءَ ، وَمَا رَأَى ، فَإِنَّمَا ذَاكَ تَخْيِيرُ مَصْلَحَةٍ ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ . وَالْمَقْصُودُ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُعَيَّنٌ ، بَلْ لَهُ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهُ إلَى مَا هُوَ أَصْلَحُ وَأَرْضَى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَقَدْ قَالَ الْوَاقِفُ : عَلَى مَا يَرَاهُ وَيَخْتَارُهُ وَيَرَى الْمَصْلَحَةَ فِيهِ . وَمُوجَبُ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِرَأْيِهِ وَاخْتِيَارِهِ الشَّرْعِيِّ ، الَّذِي يَتَّبِعُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ الشَّرْعِيَّةَ . وَقَدْ يَرَى هُوَ مَصْلَحَةً ، وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ يَأْمُرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ ، وَلَا يَكُونُ هَذَا مَصْلَحَةً كَمَا يَرَاهُ مَصْلَحَةً ، وَقَدْ يَخْتَارُ مَا يَهْوَاهُ لَا مَا فِيهِ رِضَى اللَّهِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى اخْتِيَارِهِ ، حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِأَنَّ لِلنَّاظِرِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَهْوَاهُ وَمَا يَرَاهُ مُطْلَقاً لَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ صَحِيحاً ؛ بَلْ كَانَ بَاطِلاً ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ : " وَمَنْ اشْتَرَطَ شَرْطاً لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ " . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَكَانَ عَزْلُ النَّاظِرِ وَاسْتِبْدَالُهُ ، مُوَافِقاً لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْمَعْزُولِ وَلَا غَيْرِهِ رَدُّ ذَلِكَ ، وَلَا يَتَنَاوَلُ شَيْئاً مِنْ الْوَقْفِ وَالْحَالُ هَذِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُوَافِقاً لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَانَ مَرْدُوداً بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ قَالَ : { مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } . وَقَالَ : { لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ } . وَإِنْ تَنَازَعُوا هَلْ الَّذِي فَعَلَهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ أَمْ لَا ؟ رُدَّ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي فَعَلَ النَّاظِرُ أَرْضَى لِلَّهِ وَرَسُولِهِ نَفَذَ ، وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَرْضَى
الفتاوى الكبرى — صفحة 271 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا