تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وَأَمَّا الصُّوفِيُّ الَّذِي يَدْخُلُ فِي الْوَقْفِ عَلَى الصُّوفِيَّةِ ؛ فَيُعْتَبَرُ لَهُ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ عَدْلاً فِي دِينِهِ يُؤَدِّي الْفَرَائِضَ وَيَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ . الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مُلَازِماً لِغَالِبِ الْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ ، فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً ، مِثْلَ آدَابِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَاللِّبَاسِ وَالنَّوْمِ وَالسَّفَرِ وَالرُّكُوبِ وَالصُّحْبَةِ وَالْعِشْرَةِ وَالْمُعَامَلَةِ مَعَ الْخَلْقِ ؛ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآدَابِ الشَّرِيفَةِ ، قَوْلاً وَفِعْلاً . وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنْ الْآدَابِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا فِي الدِّينِ ؛ مِنْ الْتِزَامِ شَكْلٍ مَخْصُوصٍ فِي اللُّبْسَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُحْتَسَبُ فِي الشَّرِيعَةِ . فَإِنَّ مَبْنَى الْآدَابِ عَلَى اتِّبَاعِ السُّنَّةِ ، وَلَا يُلْتَفَتُ أَيْضاً إلَى مَا يَهْدُرُهُ بَعْضُ الْمُتَفَقِّهَةِ مِنْ الْآدَابِ الْمَشْرُوعَةِ ، يَعْتَقِدُ - لِقِلَّةِ عِلْمِهِ - أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ آدَابِ الشَّرِيعَةِ ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ فِيمَا بَلَغَهُ مِنْ الْعِلْمِ أَوْ طَالَعَهُ مِنْ كُتُبِهِ ؛ بَلْ الْعِبْرَةُ فِي الْآدَابِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ : قَوْلاً وَفِعْلاً وَتَرْكاً ؛ كَمَا أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْفَرَائِضِ وَالْمَحَارِمِ بِذَلِكَ أَيْضاً . وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ فِي الصُّوفِيِّ : قَنَاعَتُهُ بِالْكَفَافِ مِنْ الرِّزْقِ ، بِحَيْثُ لَا يُمْسِكُ مِنْ الدُّنْيَا مَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ ؛ فَمَنْ كَانَ جَامِعاً لِفُضُولِ الْمَالِ لَمْ يَكُنْ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يُقْصَدُ إجْرَاءُ الْأَرْزَاقِ عَلَيْهِمْ ؛ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُفْسَحُ لَهُمْ فِي مُجَرَّدِ السُّكْنَى فِي الرَّبْطِ وَنَحْوِهَا . فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْخِصَالَ الثَّلَاثَ كَانَ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الْمَقْصُودِينَ بِالرَّبْطِ وَالْوَقْفِ عَلَيْهَا . وَمَا فَوْقَ هَؤُلَاءِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَقَامَاتِ الْعَلِيَّةِ وَالْأَحْوَالِ الزَّكِيَّةِ ، وَذَوِي الْحَقَائِقِ الدِّينِيَّةِ ، وَالْمِنَحِ الرَّبَّانِيَّةِ : فَيَدْخُلُونَ فِي الْعُمُومِ ؛ لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ الْوَقْفُ بِهِمْ لِقِلَّةِ هَؤُلَاءِ ؛ وَلِعُسْرِ تَمْيِيزِ الْأَحْوَالِ الْبَاطِنَةِ عَلَى غَالِبِ الْخَلْقِ ؛ فَلَا يُمْكِنُ رَبْطُ اسْتِحْقَاقِ الدُّنْيَا بِذَلِكَ ؛ وَلِأَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ قَدْ لَا يَنْزِلُ الرَّبْطُ إلَّا نَادِراً ، وَمَا دُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ مِنْ الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى مُجَرَّدِ رَسْمٍ فِي لُبْسَةٍ أَوْ مِشْيَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ : لَا يَسْتَحِقُّونَ الْوَقْفَ ؛ وَلَا يَدْخُلُونَ فِي مُسَمَّى الصُّوفِيَّةِ ، لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ ذَلِكَ مُحْدَثاً لَا أَصْلَ لَهُ فِي السُّنَّةِ ؛ فَإِنَّ بَذْلَ الْمَالِ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الرُّسُومِ فِيهِ نَوْعٌ مِنْ التَّلَاعُبِ بِالدِّينِ ؛ وَأَكْلٌ لِأَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ؛ وَصُدُودٌ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ . وَمَنْ كَانَ مِنْ الصُّوفِيَّةِ الْمَذْكُورِينَ الْمُسْتَحِقِّينَ فِيهِ قَدْرٌ زَائِدٌ ، مِثْلَ اجْتِهَادٍ فِي نَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ ؛ أَوْ سَعْيٍ فِي تَصْحِيحٍ أَحْوَالِ الْقَلْبِ ؛ أَوْ طَلَبِ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْيَانِ ؛ أَوْ