غَرَضَ لَهُ فِيهِ فَلَا هُوَ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَلَا فِي الْآخِرَةِ ؛ بَلْ يَبْقَى هَذَا مُنْفِقاً لِلْمَالِ فِي الْبَاطِلِ مُسَخَّرٌ مُعَذَّبٌ آكِلٌ لِلْمَالِ بِالْبَاطِلِ .
وَإِذَا كَانَ الشَّارِعُ قَدْ قَالَ : { لَا سَبْقَ إلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ } ، فَلَمْ يُجَوِّزْ بِالْجُعْلِ شَيْئاً لَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْجِهَادِ .
وَإِنْ كَانَ مُبَاحاً ، وَقَدْ يَكُونُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، كَمَا فِي الْمُصَارَعَةِ وَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْأَقْدَامِ ، فَكَيْفَ يَبْذُلُ الْعِوَضَ الْمُؤَبَّدَ فِي عَمَلٍ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ ، لَا سِيَّمَا وَالْوَقْفُ مَحْبِسٌ مُؤَبَّدٌ فَكَيْفَ يُحْبَسُ الْمَالُ دَائِماً مُؤَبَّداً عَلَى عَمَلٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ هُوَ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْعَامِلُ ، فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى حَبْسِ الْوَرَثَةِ وَسَائِرِ الْآدَمِيِّينَ بِحَبْسِ الْمَالِ عَلَيْهِمْ بِلَا مَنْفَعَةٍ حَصَلَتْ لِأَحَدٍ ، وَفِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُنَاوِلِينَ بِاسْتِعْمَالِهِمْ فِي عَمَلٍ هُمْ فِيهِ مُسَخَّرُونَ .
يَعُوقُهُمْ عَنْ مَصَالِحِهِمْ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ، فَلَا فَائِدَةَ تَحْصُلُ لَهُ وَلَا لَهُمْ ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ مُجْتَمِعِينَ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ تُسَمَّى " قِرَاءَةَ الْإِرَادَةِ " وَقَدْ كَرِهَهَا طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ : كَمَالِكٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَمَنْ رَخَّصَ فِيهَا - كَبَعْضِ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - لَمْ يَقُلْ إنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الِانْفِرَادِ ، يَقْرَأُ كُلٌّ مِنْهُمْ جَمِيعَ الْقُرْآنِ .
وَأَمَّا هَذِهِ الْقِرَاءَةُ فَلَا يَحْصُلُ لِوَاحِدٍ جَمِيعُ الْقُرْآنِ ، بَلْ هَذَا يُتِمُّ مَا قَرَأَهُ هَذَا ، وَهَذَا يُتِمُّ مَا قَرَأَهُ هَذَا ، وَمَنْ كَانَ لَا يَحْفَظُ الْقُرْآنَ يَتْرُكُ قِرَاءَةَ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ .
وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَةِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَضِيلَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ يُقَدَّمُ بِهَا عَلَى الْقِرَاءَةِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ ، أَوْ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْقَاتِ ، فَلَا قُرْبَةَ فِي تَخْصِيصِ مِثْلِ ذَلِكَ بِالْوَقْتِ .
وَلَوْ نَذَرَ صَلَاةً أَوْ صِيَاماً أَوْ قِرَاءَةً أَوْ اعْتِكَافاً فِي مَكَان بِعَيْنِهِ ، فَإِنْ كَانَ لِلتَّعْيِينِ مَزِيَّةٌ فِي الشَّرْعِ : كَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ ، لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةٌ : كَالصَّلَاةِ وَالِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدِ الْأَمْصَارِ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالنَّذْرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ } .
الفتاوى الكبرى — صفحة 260
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٠