بِإِعْفَاءِ هَذَا الْوَقْفِ وَرِعَايَةِ حُرْمَتِهِ ، وَقَدْ قَامَ نُظَّارُ هَذَا الْوَقْفِ فِي هَذَا الْوَقْتِ طَلَبُوا أَنْ يُفَرِّقُوا نِصْفَ الْمُغَلِّ فِي عِمَارَةِ الْمَشْهَدِ ، وَالنِّصْفُ الَّذِي يَبْقَى لِذُرِّيَّتِهِ يَأْخُذُونَهُ لَا يُعْطُونَهُمْ إيَّاهُ ، وَلَا يَصْرِفُونَهُ فِي مَصَارِفِ الْوَقْفِ ؟ .
أَجَابَ : لَا يَجُوزُ هَذَا لِلنَّاظِرِ ، وَلَا يَجُوزُ تَمْكِينُهُمْ مِنْ أَنْ يَصْرِفُوا الْوَقْفَ فِي غَيْرِ مَصَارِفِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَلَا حِرْمَانُ وَرَثَةِ الْوَاقِفِ وَالْفُقَرَاءِ الدَّاخِلِينَ فِي شَرْطِ الْوَاقِفِ ؛ بَلْ ذُرِّيَّتُهُ وَالْفُقَرَاءُ أَحَقُّ بِأَنْ يَصْرِفَ إلَيْهِمْ مَا شَرَطَ لَهُمْ مِنْ الْمَشْهَدِ الْمَذْكُورِ ؛ فَكَيْفَ يُحْرَمُونَ - وَالْحَالُ هَذِهِ - بَلْ لَوْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْمَشْهَدِ وَحْدِهُ لَكَانَ صَرْفُ مَا يَفْضُلُ إلَيْهِمْ مَعَ حَاجَتِهِمْ أَوْلَى مِنْ صَرْفِهِ إلَى غَيْرِهِمْ .
فَمَنْ صَرَفَ بَعْضَ الْوَقْفِ عَلَى الْمَشْهَدِ ، وَأَخَذَ بَعْضَهُ يَصْرِفُهُ فِيمَا لَمْ يَقْتَضِهِ الشَّرْطُ ؛ وَحَرَمَ الذُّرِّيَّةَ الدَّاخِلِينَ فِي الشَّرْطِ ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؛ وَتَعَدَّى حُدُودَهُ مِنْ وُجُوبِ أَدَاءِ الْوَقْفِ عَلَى ذُرِّيَّةِ الْوَاقِفِ ؛ جَائِزٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْمُجَوِّزِينَ لِلْوَقْفِ ؛ وَهُوَ أَمْرٌ قَدِيمٌ مِنْ زَمَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ .
وَأَمَّا بِنَاءُ الْمَشَاهِدِ عَلَى الْقُبُورِ وَالْوَقْفُ عَلَيْهَا فَبِدْعَةٌ ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ الصَّحَابَةِ ؛ وَلَا التَّابِعِينَ ؛ وَلَا تَابِعِيهِمْ ؛ بَلْ وَلَا عَلَى عَهْدِ الْأَرْبَعَةِ .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ بِنَاءُ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ عَلَى الْقُبُورِ ؛ وَلَا الْإِعَانَةُ عَلَى ذَلِكَ بِوَقْفٍ وَلَا غَيْرِهِ ؛ وَلَا النَّذْرُ لَهَا ؛ وَلَا الْعُكُوفُ عَلَيْهَا ؛ وَلَا فَضِيلَةَ لِلصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ [ فِيهَا عَلَى ] الْمَسَاجِدِ الْخَالِيَةِ عَنْ الْقُبُورِ ؛ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ أَنَّ هَذَا خِلَافُ دِينِ الْإِسْلَامِ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ ؛ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ ؛ بَلْ قَدْ نَصَّ الْأَئِمَّةُ الْمُعْتَبَرُونَ عَلَى أَنَّ بِنَاءَ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ مِثْلَ هَذَا الْمَشْهَدِ وَنَحْوِهِ حَرَامٌ ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ، يُحَذِّرُ مَا فَعَلُوا .
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزَ قَبْرَهُ } ؛ وَلَكِنْ كَرِهَ أَنْ يَتَّخِذَهُ مَسْجِداً .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ : { إنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 238
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣٨