تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
وَإِذَا جَمَعَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ وَعَشَّاهُمْ خُبْزاً أَوْ أُدْماً مِنْ أَوْسَطِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ ، أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ السَّلَفِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَغَيْرِهِمْ ، وَهُوَ أَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ فِي الدَّلِيلِ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِالْإِطْعَامِ لَمْ يُوجِبْ التَّمْلِيكَ ، وَهَذَا إطْعَامٌ حَقِيقَةً ، وَمَنْ أَوْجَبَ التَّمْلِيكَ احْتَجَّ بِحُجَّتَيْنِ : إحْدَاهُمَا : أَنَّ الطَّعَامَ الْوَاجِبَ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ ، وَلَا يَعْلَمُ إذَا أَكَلُوا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَأْكُلُ قَدْرَ حَقِّهِ وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُ بِالتَّمْلِيكِ يَتَمَكَّنُ مِنْ التَّصَرُّفِ الَّذِي لَا يُمْكِنُهُ مَعَ الْإِطْعَامِ . وَجَوَابُ الْأُولَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالشَّرْعِ ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِهِ . فَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ إذَا أَشْبَعَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ غَدَّاهُ وَعَشَّاهُ ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَدْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ قَدْرَ حَقِّهِ وَأَكْثَرَ . وَأَمَّا التَّصَرُّفُ بِمَا شَاءَ ، فَاَللَّهُ تَعَالَى لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ إنَّمَا أَوْجَبَ الْإِطْعَامَ ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَأَوْجَبَ مَالاً مِنْ النَّقْدِ وَنَحْوِهِ ، وَهُوَ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ . وَالزَّكَاةُ إنَّمَا أَوْجَبَ فِيهَا التَّمْلِيكَ ، لِأَنَّهُ ذَكَرَهَا بِاللَّامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ } . وَلِهَذَا حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ التَّصَرُّفَ بِحَرْفِ الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ : { وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ } . فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّمْلِيكُ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ مِنْ الزَّكَاةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمْلِيكاً لِلْمُعْتِقِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْهَا سِلَاحاً يُعِينُ بِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ : الْإِطْعَامُ أَوْلَى مِنْ التَّمْلِيكِ ؛ لِأَنَّ الْمُمَلَّكَ قَدْ يَبِيعُ مَا أَعْطَيْته وَلَا يَأْكُلُهُ ، بَلْ قَدْ يَكْنِزُهُ ، فَإِذَا أَطْعَمَ الطَّعَامَ حَصَلَ مَقْصُودُ الشَّارِعِ قَطْعاً . وَغَايَةُ مَا يُقَالُ أَنَّ التَّمْلِيكَ قَدْ يُسَمَّى إطْعَاماً كَمَا يُقَالُ أَطْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ الْجَدَّةَ السُّدُسَ ، وَفِي الْحَدِيثِ : { مَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيّاً طُعْمَةً إلَّا كَانَتْ لِمَنْ يَلِي الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ } .