لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَمِثَالُ هَذِهِ الشُّرُوطِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى أَهْلِ الرِّبَاطِ مُلَازَمَتَهُ ، وَهَذَا مَكْرُوهٌ فِي الشَّرِيعَةِ مِمَّا أَحْدَثَهُ النَّاسُ ، أَوْ يَشْتَرِطُ عَلَى الْفُقَهَاءِ اعْتِقَادَ بَعْضِ الْبِدَعِ الْمُخَالِفَةِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، أَوْ بَعْضِ الْأَقْوَالِ الْمُحَرَّمَةِ ، أَوْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ الْمُؤَذِّنِ تَرْكَ بَعْضِ سُنَنِ الصَّلَاةِ أَوْ الْأَذَانِ ، أَوْ فِعْلُ بَعْضِ بِدَعِهِمَا مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْفَجْرِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ ، أَوْ أَنْ يَصِلَ الْأَذَانَ بِذِكْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ، أَوْ أَنْ يُقِيمَ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَدْرَسَةِ أَوْ الْمَسْجِدِ مَعَ إقَامَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِمْ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُصَلُّوا وُحْدَاناً ، وَمِمَّا يَلْحَقُ بِهَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ مُسْتَلْزِماً تَرْكَ مَا نَدَبَ إلَيْهِ الشَّارِعُ ، مِثْلَ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى أَهْلِ رِبَاطٍ أَوْ مَدْرَسَةٍ إلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ أَنْ يُصَلُّوا فِيهَا فَرْضَهُمْ ، فَإِنَّ هَذَا دُعَاءٌ إلَى تَرْكِ الْفَرْضِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مِثْلِ هَذَا .
بَلْ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ هُوَ الْأَفْضَلُ ، بَلْ الْوَاجِبُ هَدْمُ مَسَاجِدِ الضَّرَائِرِ ، مِمَّا لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ تَفْصِيلِهِ .
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اشْتِرَاطُ الْإِيقَادِ عَلَى الْقُبُورِ ، إيقَادُ الشَّمْعِ أَوْ الدُّهْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ { النَّبِيَّ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ زَوَّارَاتِ الْقُبُورِ وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ } .
وَبِنَاءُ الْمَسْجِدِ أَوْ إسْرَاجُ الْمَصَابِيحِ عَلَى الْقُبُورِ مِمَّا لَمْ أَعْلَمْ فِيهِ خِلَافاً أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَتَفَاصِيلُ هَذِهِ الشُّرُوطِ يَطُولُ جِدّاً وَإِنَّمَا نَذْكُرُ هَاهُنَا جِمَاعَ الشُّرُوطِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ : عَمَلٌ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ فِي الشَّرْعِ وَلَا مُسْتَحَبٍّ .
بَلْ هُوَ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ .
فَهَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهِ ، وَالْجُمْهُورُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَنَّ شَرْطَهُ بَاطِلٌ ، فَلَا يَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ يَشْرِطَ إلَّا مَا كَانَ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْذُلَ مَالَهُ إلَّا لِمَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا ، فَمَا دَامَ الْإِنْسَانُ حَيّاً فَلَهُ أَنْ يَبْذُلَ مَالَهُ فِي تَحْصِيلِ الْأَغْرَاضِ الْمُبَاحَةِ ، لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ ، فَأَمَّا الْمَيِّتُ فَمَا بَقِيَ بَعْدَ الْمَوْتِ يَنْتَفِعُ مِنْ أَعْمَالِ الْأَحْيَاءِ إلَّا بِعَمَلٍ صَالِحٍ قَدْ أَمَرَ بِهِ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ أَوْ أَهْدَى إلَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، فَأَمَّا الْأَعْمَالُ الَّتِي لَيْسَتْ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا يَنْتَفِعُ بِهَا الْمَيِّتُ بِحَالٍ ، فَإِذَا اشْتَرَطَ الْمُوصِي أَوْ الْوَاقِفُ عَمَلاً أَوْ صِفَةً لَا ثَوَابَ فِيهَا كَانَ السَّعْيُ فِي تَحْصِيلِهَا سَعْياً فِيمَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي دُنْيَاهُ وَلَا فِي آخِرَتِهِ ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ ، وَهَذَا إنَّمَا مَقْصِدُهُ بِالْوَقْفِ التَّقَرُّبُ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 159
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٩