فَحَيْثُ عَظَّمَ الْعَبْدُ رَبَّهُ بِتَسْبِيحِ اسْمِهِ أَوْ الْحَلِفِ بِهِ أَوْ الِاسْتِعَاذَةِ بِهِ فَهُوَ مُسَبِّحٌ لَهُ بِتَوَسُّطِ الْمَثَلِ الْأَعْلَى الَّذِي فِي قَلْبِهِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَعِبَادَتِهِ وَعَظَمَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ ، عِلْماً وَفَضْلاً وَإِجْلَالاً وَإِكْرَاماً ، وَحُكْمُ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ إنَّمَا يَعُودُ إلَى مَا كَسَبَهُ قَلْبُهُ مِنْ ذَلِكَ ؛ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } ، وَكَمَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : { وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ } ، فَلَوْ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ مَا فِي لَفْظَةِ الْقَسَمِ مِنْ انْعِقَادِهِ بِالْأَيْمَانِ وَارْتِبَاطِهِ بِهِ دُونَ قَصْدِ الْحَلِفِ ؛ لَكَانَ مُوجِبُهُ أَنَّهُ إذَا حَنِثَ بِغَيْرِ أَيْمَانِهِ وَتَزُولُ حَقِيقَتُهُ ، كَمَا قَالَ { لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ } ، وَكَمَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ عَلَى ذَلِكَ يَمِيناً فَاجِرَةً كَانَتْ مِنْ الْكَبَائِرِ ؛ وَإِذَا اشْتَرَى بِهَا مَالاً مَعْصُوماً فَلَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَلَا يُكَلِّمُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِ وَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، لَكِنْ الشَّارِعُ عَلِمَ أَنَّ الْحَالِفَ بِهَا لَيَفْعَلَنَّ أَوْ لَا يَفْعَلَنَّ ، لَيْسَ غَرَضُهُ الِاسْتِخْفَافَ بِحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ وَالتَّعَلُّقَ بِهِ لِغَرَضِ الْحَالِفِ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ ، فَشُرِعَ لَهُ الْكَفَّارَةُ ، وَحَلَّ هَذَا الْعَقْدُ وَأَسْقَطَهَا عَنْ لَغْوِ الْيَمِينِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْقِدْ قَلْبُهُ شَيْئاً مِنْ الْجِنَايَةِ عَلَى إيمَانِهِ ، فَلَا حَاجَةَ إلَى الْكَفَّارَةِ ، وَإِذَا ظَهَرَ أَنَّ مُوجِبَ لَفْظِ الْيَمِينِ انْعِقَادُ الْفِعْلِ بِهَذَا الْيَمِينِ الَّذِي هُوَ إيمَانُهُ بِاَللَّهِ ، فَإِذَا عَدِمَ الْفِعْلُ كَانَ مُقْتَضَى لَفْظِهِ عَدَمَ إيمَانِهِ هَذَا لَوْلَا مَا شَرَعَ اللَّهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ ، كَمَا أَنَّ مُقْتَضَى قَوْلِهِ : إنْ فَعَلْت كَذَا أَوْجَبَ عَلَيَّ كَذَا أَنَّهُ عِنْدَ الْفِعْلِ يَجِبُ ذَلِكَ الْفِعْلُ لَوْلَا مَا شَرَعَ اللَّهُ مِنْ الْكَفَّارَةِ .
يُوَضِّحُ ذَلِكَ : أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ : { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ } أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ .
فَجَعَلَ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ فِي قَوْلِهِ وَيَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إنْ فَعَلَ كَذَا كَالْغَمُوسِ فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ مَا فَعَلْت كَذَا .
إذْ هُوَ فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ قَطَعَ عَهْدَهُ مِنْ اللَّهِ .
حَيْثُ عَلَّقَ الْأَيْمَانَ بِأَمْرٍ مَعْدُومٍ .
وَالْكُفْرَ بِأَمْرٍ مَوْجُودٍ ، بِخِلَافِ الْيَمِينِ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ ، وَطَرَدَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ إذَا كَانَتْ فِي النَّذْرِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ وَقَعَ الْمُعَلَّقُ بِهِ ، وَلَمْ تَرْفَعْهُ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا يَقَعُ الْكُفْرُ بِذَلِكَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ ، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْمُرَادُ بِهِ الْيَمِينُ الْمَشْرُوعَةُ .
وَأَيْضاً قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا
الفتاوى الكبرى — صفحة 132
مساهمون: ابن تيمية
ص١٣٢