تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
لِأَنَّ هَذَا حُكْمُ ذَلِكَ الْفِعْلِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُطَابِقَ صُوَرَهُ ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ هُوَ سَبَبُ قَوْلِهِ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } . وَسَبَبُ الْجَوَابِ إذَا كَانَ عَامّاً كَانَ الْجَوَابُ عَامّاً لِئَلَّا يَكُونَ جَوَاباً عَنْ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِلتَّعْمِيمِ ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ فِي قَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } وَأَيْضاً فَإِنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمَتْ الْعُمُومَ ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ عَامَّتُهُمْ حَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ وَغَيْرِهَا ، وَأَيْضاً فَنَقُولُ عَلَى الرَّأْسِ سَلَّمْنَا أَنَّ الْيَمِينَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْآيَةِ الْمُرَادُ بِهَا الْيَمِينُ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّ مَا سِوَى الْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يَلْزَمُ بِهَا حُكْمٌ ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِصِفَاتِهِ كَالْحَلِفِ بِهِ ، كَمَا لَوْ قَالَ : وَعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ لَعَمْرُ اللَّهِ ، أَوْ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ جَوَازُ الْحَلِفِ بِالصِّفَاتِ وَنَحْوِهَا عَنْ النَّبِيِّ وَالصَّحَابَةِ ، وَلِأَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِهِ كَالِاسْتِعَاذَةِ بِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ الِاسْتِعَاذَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِاَللَّهِ ، فِي مِثْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ : { أَعُوذُ بِوَجْهِك } ، وَ { أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ } ، وَ { أَعُوذُ بِرِضَاك مِنْ سَخَطِك } وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُتَقَرِّرٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْحَلِفُ بِالنَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِمَا هُوَ الْحَلِفُ بِصِفَاتِ اللَّهِ . فَإِنَّهُ إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْحَجُّ فَقَدْ حَلَفَ بِإِيجَابِ الْحَجِّ عَلَيْهِ ، وَإِيجَابُ الْحَجِّ عَلَيْهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ مِنْ صِفَاتِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : فَعَلَيَّ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ وَإِذْ قَالَ : فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ، وَعَبْدِي حُرٌّ ، فَقَدْ حَلَفَ بِإِزَالَةِ مِلْكِهِ الَّذِي هُوَ تَحْرِيمُهُ عَلَيْهِ ، وَالتَّحْرِيمُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ ، كَمَا أَنَّ الْإِيجَابَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً } . فَجَعَلَ صُدُورَهُ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَالْخُلْعِ مِنْ آيَاتِهِ ، لَكِنَّهُ إذَا حَلَفَ بِالْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ فَقَدْ عَقَدَ الْيَمِينَ لِلَّهِ كَمَا يَعْقِدُ النَّذْرَ لِلَّهِ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَيَّ الْحَجُّ وَالصَّوْمُ عَقْدٌ لِلَّهِ ، وَلَكِنْ إذَا كَانَ حَالِفاً فَهُوَ لَمْ يَقْصِدْ الْعَقْدَ لِلَّهِ بَلْ قَصَدَ الْحَلِفَ بِهِ ، فَإِذَا حَنِثَ وَلَمْ يُوفِ بِهِ فَقَدْ تَرَكَ مَا عَقَدَ لِلَّهِ ، كَمَا أَنَّهُ إذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ فَقَدْ تَرَكَ مَا عَقَدَهُ بِاَللَّهِ .