تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
بِالنَّذْرِ فِي هَذَا الْكَلَامِ ، فَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمِنْهَالِ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ ، حَدَّثَنَا حَبِيبٌ الْمُعَلِّمُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ : إنْ عُدْت تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَالٍ لِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِك . كَفِّرْ عَنْ يَمِينِك وَكَلِّمْ أَخَاك . سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ : { لَا يَمِينَ عَلَيْك وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَفِيمَا لَا يُمْلَكُ } " . فَهَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَمَرَ هَذَا الَّذِي حَلَفَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَنَذَرَ نَذْرَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ بِأَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ ، وَأَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ الْمَنْذُورَ ، وَاحْتَجَّ بِمَا سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { لَا يَمِينَ عَلَيْك وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ ، وَفِيمَا لَا يُمْلَكُ } " ، فَفُهِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ عَلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ قَطِيعَةٍ فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ النَّذْرِ ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا أَفْتَاهُ عُمَرُ ، وَلَوْلَا أَنَّ هَذَا النَّذْرَ كَانَ عِنْدَهُ يَمِيناً لَمْ يَقُلْ لَهُ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِك ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ : " لَا يَمِينَ وَلَا نَذْرَ " لِأَنَّ الْيَمِينَ مَا قُصِدَ بِهَا الْحَضُّ أَوْ الْمَنْعُ ، وَالنَّذْرُ مَا قُصِدَ بِهِ التَّقَرُّبُ ، وَكِلَاهُمَا لَا يُوَفِّي بِهِ الْمَعْصِيَةَ وَالْقَطِيعَةَ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ : { لَا يَمِينَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ ، وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ } يُعْلِمُ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى يَمِيناً أَوْ نَذْراً ، سَوَاءٌ كَانَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ كَانَتْ بِوُجُوبِ مَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مِنْ الصَّدَقَةِ أَوْ الصِّيَامِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْهَدْيِ ، أَوْ كَانَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ كَالظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ . وَمَقْصُودُ النَّبِيِّ إمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ عَنْ فِعْلِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنْ الْمَعْصِيَةِ وَالْقَطِيعَةِ فَقَطْ . أَوْ يَكُونُ مَقْصُودُهُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ مَا فِي الْيَمِينِ وَالنُّذُورِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الظَّاهِرُ لِاسْتِدْلَالِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِهِ . فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى هَذَا لَمْ يَصِحَّ اسْتِدْلَالُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مَا أَجَابَ بِهِ السَّائِلُ مِنْ الْكَفَّارَةِ دُونَ إخْرَاجِ الْمَالِ فِي كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ يُعْلِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ . وَأَيْضاً كَمَا تَبَيَّنَ دُخُولُ الْحَلِفِ بِالنَّذْرِ وَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فِي الْيَمِينِ وَالْحَلِفِ فِي
الفتاوى الكبرى — صفحة 135 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا