تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ } ، وَهَذَا سُؤَالُ ، مَنْ يَقُولُ كُلُّ يَمِينٍ غَيْرِ مَشْرُوعَةٍ فَلَا كَفَّارَةَ لَهَا وَلَا حِنْثَ ، فَيُقَالُ : لَفْظُ الْيَمِينِ شَمِلَ هَذَا كُلَّهُ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِ النَّبِيِّ وَالصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ اسْمَ الْيَمِينِ فِي هَذَا كُلِّهِ ، كَقَوْلِهِ : { النَّذْرُ حَلِفٌ } ، وَقَوْلِ الصَّحَابَةِ لِمَنْ حَلَفَ بِالْهَدْيِ بِالْعِتْقِ كَفِّرْ يَمِينَك ، وَكَذَلِكَ فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ كَمَا سَنَذْكُرُهُ ، وَلِإِدْخَالِ الْعُلَمَاءِ كَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { مَنْ حَلَفَ فَقَالَ إنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } وَيَدُلُّ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ : { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } ، ثُمَّ قَالَ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } . فَاقْتَضَى هَذَا أَنَّ نَفْسَ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ يَمِينٌ ، كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ ، وَسَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ إمَّا تَحْرِيمُهُ الْعَسَلَ وَإِمَّا تَحْرِيمُهُ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَتَحْرِيمُ الْحَلَالِ يَمِينٌ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ وَلَيْسَ يَمِيناً بِاَللَّهِ ، وَلِهَذَا أَفْتَى جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ كَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينٌ مُكَفِّرَةٌ إمَّا كَفَّارَةٌ كُبْرَى كَالظِّهَارِ وَإِمَّا كَفَّارَةٌ صُغْرَى كَالْيَمِينِ بِاَللَّهِ ، وَمَا زَالَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ الظِّهَارَ وَنَحْوَهُ يَمِيناً . وَأَيْضاً فَإِنَّ قَوْلَهُ : { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } . إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ لِمَ تُحَرِّمُ بِلَفْظِ الْحَرَامِ ، وَإِمَّا لِمَ تُحَرِّمُهُ بِالْيَمِينِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِهَا ، وَإِمَّا لِمَ تُحَرِّمُهُ مُطْلَقاً . فَإِنْ أُرِيدَ الْأَوَّلُ وَالثَّالِثُ ، فَقَدْ ثَبَتَ تَحْرِيمُهُ بِغَيْرِ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ . ثَمَّ فَيَعُمُّ ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ تَحْرِيمُهُ بِالْحَلِفِ بِاَللَّهِ فَقَدْ سَمَّى اللَّهُ الْحَلِفَ بِاَللَّهِ تَحْرِيماً لِلْحَلَالِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْيَمِينَ بِاَللَّهِ لَمْ يُوجِبْ الْحُرْمَةَ الشَّرْعِيَّةَ ، لَكِنْ لَمَّا أَوْجَبَتْ امْتِنَاعَ الْحَالِفِ مِنْ الْفِعْلِ فَقَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْهِ الْفِعْلَ تَحْرِيماً شَرْطِيّاً لَا شَرْعِيّاً ، فَكُلٌّ يُوجِبُ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْفِعْلِ فَقَدْ حَرَّمَتْ عَلَيْهِ الْفِعْلَ ، فَيَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ : { لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } ، وَحِينَئِذٍ فَقَوْلُهُ : { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } ، لَا بُدَّ أَنْ يَعُمَّ كُلَّ يَمِينٍ حَرَّمَتْ الْحَلَالَ ،
الفتاوى الكبرى — صفحة 129 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا