عَلَى الصِّرَاطِ ، وَقَفُوا عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ ، فَإِذَا هُذِّبُوا وَنَقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ } .
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْجَوَابِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
وَمَا ذَكَرْنَا فِي أَنَّ الْمَوْتَى يَسْمَعُونَ الْخِطَابَ ، وَيَصِلُ إلَيْهِمْ الثَّوَابُ ، وَيُعَذَّبُونَ بِالنِّيَاحَةِ ، بَلْ وَمَا لَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ السَّائِلُ مِنْ عِقَابِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَقَدْ يُكْشَفُ لِكَثِيرٍ مِنْ أَبْنَاءِ زَمَانِنَا يَقَظَةً وَمَنَاماً ، وَيَعْلَمُونَ ذَلِكَ ، وَيَتَحَقَّقُونَهُ ، وَعِنْدَنَا مِنْ ذَلِكَ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ ، لَكِنَّ الْجَوَابَ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ يُعْتَمَدُ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وَمَا كُشِفَ لِلْإِنْسَانِ مِنْ ذَلِكَ ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ مَنْ هُوَ صَادِقٌ عِنْدَهُ ، فَهَذَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ عِلْمِهِ ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا يَزِيدُهُ إيمَاناً وَتَصْدِيقاً بِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ ، وَلَكِنْ لَا يَجِبُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْإِيمَانُ بِغَيْرِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْجَبَ التَّصْدِيقَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى : { قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ } الْآيَةَ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } الْآيَةَ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { قَدْ كَانَ فِي الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ } .
فَالْمُحَدِّثُ الْمُلْهَمُ الْمُكَاشِفُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَزِنَ ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنْ وَافَقَ ذَلِكَ صَدَقَ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ ، وَإِنْ خَالَفَ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ .
كَمَا كَانَ يَجِبُ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ سَيِّدُ الْمُحَدِّثِينَ إذَا أُلْقِيَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ ، وَكَانَ مُخَالِفاً لِلسُّنَّةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مَعْصُوماً ، وَإِنَّمَا الْعِصْمَةُ لِلنُّبُوَّةِ .
وَلِهَذَا كَانَ الصِّدِّيقُ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ ، فَإِنَّ الصِّدِّيقَ لَا يَتَلَقَّى مِنْ قَلْبِهِ ، بَلْ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ ، وَهِيَ مَعْصُومَةٌ ، وَالْمُحَدِّثُ يَتَلَقَّى تَارَةً عَنْ قَلْبِهِ ، وَتَارَةً عَنْ النُّبُوَّةِ ، فَمَا تَلَقَّاهُ عَنْ النُّبُوَّةِ فَهُوَ مَعْصُومٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ ، وَمَا أُلْهِمَ فِي قَلْبِهِ : فَإِنْ وَافَقَ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّبُوَّةُ فَهُوَ حَقٌّ ، وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ .
فَلِهَذَا لَا يَعْتَمِدُ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ فِي مِثْلِ مَسَائِلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ إلَّا عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ شَوَاهِدُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 69
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٩