تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ ، وَقَدْ جَاءَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ يُؤْمَرُونَ وَيُنْهَوْنَ ، فَمَنْ أَطَاعَ دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَنْ عَصَى دَخَلَ النَّارَ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ . وَالتَّكْلِيفُ إنَّمَا يَنْقَطِعُ بِدُخُولِ دَارِ الْجَزَاءِ وَهِيَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، وَأَمَّا عَرَصَاتُ الْقِيَامَةِ فَيُمْتَحَنُونَ فِيهَا كَمَا يُمْتَحَنُونَ فِي الْبَرْزَخِ ، فَيُقَالُ لِأَحَدِهِمْ : مَنْ رَبُّك ؟ وَمَا دِينُك ؟ وَمَنْ نَبِيُّك ؟ وَقَالَ تَعَالَى : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ } وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { يَتَجَلَّى اللَّهُ لِعِبَادِهِ فِي الْمَوْقِفِ ، إذَا قِيلَ : لِيَتْبَعَ كُلُّ قَوْمٍ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ، فَيَتْبَعُ الْمُشْرِكُونَ آلِهَتَهُمْ ، وَتَبَقَّى الْمُؤْمِنُونَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ الرَّبُّ الْحَقُّ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْرِفُونَ فَيُنْكِرُونَهُ ، ثُمَّ يَتَجَلَّى لَهُمْ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ ، فَيَسْجُدُ لَهُ الْمُؤْمِنُونَ ، وَتَبْقَى ظُهُورُ الْمُنَافِقِينَ كَقُرُونِ الْبَقَرِ ، فَيُرِيدُونَ أَنْ يَسْجُدُوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ . وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ } الْآيَةَ } وَالْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالْمَقْصُودُ هَهُنَا أَنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ أَحَداً فِي الْآخِرَةِ إلَّا بِذَنْبِهِ ، وَأَنَّهُ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ، وَقَوْلِهِ : { إنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ } لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّائِحَةَ لَا تُعَاقَبُ ، بَلْ النَّائِحَةُ تُعَاقَبُ عَلَى النِّيَاحَةِ ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنَّ النَّائِحَةَ إذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تَلْبَسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ دِرْعاً مِنْ جَرَبٍ وَسِرْبَالاً مِنْ قَطِرَانٍ } فَلَا يُحْمَلُ عَمَلٌ يَنُوحُ وِزْرُهُ أَحَدٌ . وَأَمَّا تَعْذِيبُ الْمَيِّتِ : فَهُوَ لَمْ يَقُلْ : إنَّ الْمَيِّتَ يُعَاقَبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ . بَلْ قَالَ : " يُعَذَّبُ " وَالْعَذَابُ أَعَمُّ مِنْ الْعِقَابِ ، فَإِنَّ الْعَذَابَ هُوَ الْأَلَمُ ، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَأَلَّمَ بِسَبَبٍ كَانَ ذَلِكَ عِقَاباً لَهُ عَلَى ذَلِكَ السَّبَبِ ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ } فَسَمَّى السَّفَرَ عَذَاباً ، وَلَيْسَ هُوَ عِقَاباً عَلَى ذَنْبٍ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 67 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا