تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 68

مساهمون:

ص٦٨
وَالْإِنْسَانُ يُعَذَّبُ بِالْأُمُورِ الْمَكْرُوهَةِ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا ، مِثْلُ الْأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ ، وَالْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ ، وَالصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ ، فَهُوَ يَتَعَذَّبُ بِسَمَاعِ هَذَا وَشَمِّ هَذَا ، وَرُؤْيَةِ هَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَمَلاً لَهُ عُوقِبَ عَلَيْهِ ، فَكَيْفَ يُنْكَرُ أَنْ يُعَذَّبَ الْمَيِّتُ بِالنِّيَاحَةِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ النِّيَاحَةُ عَمَلاً لَهُ ، يُعَاقَبُ عَلَيْهِ ؟ وَالْإِنْسَانُ فِي قَبْرِهِ يُعَذَّبُ بِكَلَامِ بَعْضِ النَّاسِ ، وَيَتَأَلَّمُ بِرُؤْيَةِ بَعْضِهِمْ ، وَبِسَمَاعِ كَلَامِهِ . وَلِهَذَا أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى : بِأَنَّ الْمَوْتَى إنَّمَا عُمِلَ عِنْدَهُمْ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُمْ يَتَأَلَّمُونَ بِهَا ، كَمَا جَاءَتْ بِذَلِكَ الْآثَارُ ، فَتَعْذِيبُهُمْ بِعَمَلِ الْمَعَاصِي عِنْدَ قُبُورِهِمْ كَتَعْذِيبِهِمْ بِنِيَاحَةِ مَنْ يَنُوحُ عَلَيْهِمْ . ثُمَّ النِّيَاحَةُ سَبَبُ الْعَذَابِ . وَقَدْ يَنْدَفِعُ حُكْمُ السَّبَبِ بِمَا يُعَارِضُهُ ، فَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَيِّتِ مِنْ قُوَّةِ الْكَرَامَةِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ مِنْ الْعَذَابِ ، كَمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ النَّاسِ مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَدْفَعُ ضَرَرَ الْأَصْوَاتِ الْهَائِلَةِ ، وَالْأَرْوَاحِ وَالصُّوَرِ الْقَبِيحَةِ . وَأَحَادِيثُ الْوَعِيدِ يُذْكَرُ فِيهَا السَّبَبُ . وَقَدْ يَتَخَلَّفُ مُوجِبُهُ لِمَوَانِعَ تَدْفَعُ ذَلِكَ : إمَّا بِتَوْبَةٍ مَقْبُولَةٍ ، وَإِمَّا بِحَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ ، وَإِمَّا بِمَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ ، وَإِمَّا بِشَفَاعَةِ شَفِيعٍ مُطَاعٍ ، وَإِمَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ ، فَإِنَّهُ { لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } . وَمَا يَحْصُلُ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا وَالْبَرْزَخِ وَالْقِيَامَةِ مِنْ الْأَلَمِ الَّتِي هِيَ عَذَابٌ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ خَطَايَاهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزْنٍ ، وَلَا أَذًى ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا ، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ } . وَفِي الْمُسْنَدِ { لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ } قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ ، وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءاً ؟ ، فَقَالَ : يَا أَبَا بَكْرٍ ، أَلَسْتَ تَحْزَنُ ؟ ، أَلَسْتَ يُصِيبُك الْأَذَى ؟ ، فَإِنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةٌ لَا يَدْخُلُهَا إلَّا طَيِّبٌ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ } } . وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنَّهُمْ إذَا عَبَرُوا