وَالْوَاجِبُ عَلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ قَطْعُهُمْ مِنْ دَوَاوِينِ الْمُقَاتِلَةِ فَلَا يُتْرَكُونَ فِي ثَغْرٍ ، وَلَا فِي غَيْرِ ثَغْرٍ ؛ فَإِنَّ ضَرَرَهُمْ فِي الثَّغْرِ أَشَدُّ ، وَأَنْ يَسْتَخْدِمَ بَدَلَهُمْ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى اسْتِخْدَامِهِ مِنْ الرِّجَالِ الْمَأْمُونِينَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ ، وَعَلَى النُّصْحِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ؛ بَلْ إذَا كَانَ وَلِيُّ الْأَمْرِ لَا يَسْتَخْدِمُ مَنْ يَغُشُّهُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِماً فَكَيْفَ بِمَنْ يَغُشُّ الْمُسْلِمِينَ كُلَّهُمْ ؟ ، ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُ هَذَا الْوَاجِبِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ؛ بَلْ أَيُّ وَقْتٍ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِبْدَالِ بِهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ .
وَأَمَّا إذَا اُسْتُخْدِمُوا وَعَمِلُوا الْعَمَلَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِمْ فَلَهُمْ إمَّا الْمُسَمَّى وَإِمَّا أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، لِأَنَّهُمْ عُوقِدُوا عَلَى ذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ صَحِيحاً وَجَبَ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ فَاسِداً وَجَبَتْ أُجْرَةُ الْمِثْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ اسْتِخْدَامُهُمْ مِنْ جِنْسِ الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ فَهِيَ مِنْ جِنْسِ الْجَعَالَةِ الْجَائِزَةِ ؛ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُهُمْ ، فَالْعَقْدُ عَقْدٌ فَاسِدٌ ، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ إلَّا قِيمَةَ عَمَلِهِمْ .
فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَمِلُوا عَمَلاً لَهُ قِيمَةٌ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ ؛ لَكِنْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ مُبَاحَةٌ .
وَإِذَا أَظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَفِي قَبُولِهَا مِنْهُمْ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ؛ فَمَنْ قَبِلَ تَوْبَتَهُمْ إذَا الْتَزَمُوا شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ أَقَرَّ أَمْوَالَهُمْ عَلَيْهِمْ .
وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْهَا لَمْ تُنْقَلْ إلَى وَرَثَتِهِمْ مِنْ جِنْسِهِمْ ؛ فَإِنَّ مَالَهُمْ يَكُونُ فَيْئاً لِبَيْتِ الْمَالِ ؛ لَكِنْ هَؤُلَاءِ إذَا أُخِذُوا فَإِنَّهُمْ يُظْهِرُونَ التَّوْبَةَ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَذْهَبِهِمْ التَّقِيَّةُ وَكِتْمَانُ أَمْرِهِمْ ، وَفِيهِمْ مَنْ يُعْرَفُ ، وَفِيهِمْ مَنْ قَدْ لَا يُعْرَفُ .
فَالطَّرِيقُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحْتَاطَ فِي أَمْرِهِمْ ، فَلَا يُتْرَكُونَ مُجْتَمِعِينَ ، وَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْ حَمْلِ السِّلَاحِ ، وَلَا أَنْ يَكُونُوا مِنْ الْمُقَاتِلَةِ ، وَيُلْزَمُونَ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ : مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ .
وَيُتْرَكُ بَيْنَهُمْ مَنْ يُعَلِّمُهُمْ دِينَ الْإِسْلَامِ ، وَيُحَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُعَلِّمِهِمْ .
فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَسَائِرَ الصَّحَابَةِ لَمَّا ظَهَرُوا عَلَى أَهْلِ الرِّدَّةِ ، وَجَاؤُوا إلَيْهِ ، قَالَ لَهُمْ الصِّدِّيقُ : اخْتَارُوا إمَّا الْحَرْبَ الْمُجْلِيَةَ ، وَإِمَّا السِّلْمَ الْمُخْزِيَةَ .
قَالُوا : يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ، هَذِهِ الْحَرْبُ الْمُجْلِيَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا السِّلْمُ الْمُخْزِيَةُ ؟ قَالَ : تَدُونَ قَتْلَانَا ، وَلَا نَدِي قَتْلَاكُمْ ، وَتَشْهَدُونَ أَنَّ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ ، وَنَقْسِمُ مَا أَصَبْنَا مِنْ أَمْوَالِكُمْ ، وَتَرُدُّونَ مَا أَصَبْتُمْ مِنْ أَمْوَالِنَا ، وَتُنْزَعُ مِنْكُمْ الْحَلْقَةُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 510
مساهمون: ابن تيمية
ص٥١٠