تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 507

مساهمون:

ص٥٠٧
بِأَيْدِي الْمُسْلِمِينَ ، حَتَّى جَزِيرَةُ قُبْرُصَ يَسَّرَ اللَّهُ فَتْحَهَا عَنْ قَرِيبٍ ، وَفَتَحَهَا الْمُسْلِمُونَ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ " عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ " رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَتَحَهَا " مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ " إلَى أَثْنَاءِ الْمِائَةِ الرَّابِعَةِ . فَهَؤُلَاءِ الْمُحَادُّونَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ كَثُرُوا حِينَئِذٍ بِالسَّوَاحِلِ وَغَيْرِهَا فَاسْتَوْلَى النَّصَارَى عَلَى السَّاحِلِ ؛ ثُمَّ بِسَبَبِهِمْ اسْتَوْلَوْا عَلَى الْقُدْسِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهِ ؛ فَإِنَّ أَحْوَالَهُمْ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي ذَلِكَ ؛ ثُمَّ لَمَّا أَقَامَ اللَّهُ مُلُوكَ الْمُسْلِمِينَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى " كَنُورِ الدِّينِ الشَّهِيدِ ، وَصَلَاحِ الدِّينِ " وَأَتْبَاعِهِمَا ؛ وَفَتَحُوا السَّوَاحِلَ مِنْ النَّصَارَى ، وَمِمَّنْ كَانَ بِهَا مِنْهُمْ ، وَفَتَحُوا أَيْضاً أَرْضَ مِصْرَ ؛ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَوْلِينَ عَلَيْهَا نَحْوَ مِائَتَيْ سَنَةٍ ، وَاتَّفَقُوا هُمْ وَالنَّصَارَى ، فَجَاهَدَهُمْ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى فَتَحُوا الْبِلَادَ ، وَمِنْ ذَلِكَ التَّارِيخِ انْتَشَرَتْ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ بِالدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ وَالشَّامِيَّةِ . ثُمَّ إنَّ التَّتَارَ مَا دَخَلُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ وَقَتَلُوا خَلِيفَةَ بَغْدَادَ وَغَيْرَهُ مِنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ لَا بِمُعَاوَنَتِهِمْ وَمُؤَازَرَتِهِمْ ؛ فَإِنَّ مُنَجِّمَ هُولَاكُو الَّذِي كَانَ وَزِيرَهُمْ وَهُوَ " النُّصَيْرُ الطُّوسِيُّ " كَانَ وَزِيراً لَهُمْ بِالْأَلْمُوتِ ، وَهُوَ الَّذِي أَمَرَ بِقَتْلِ الْخَلِيفَةِ وَبِوِلَايَةِ هَؤُلَاءِ . وَلَهُمْ " أَلْقَابٌ " مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ تَارَةً يُسَمَّوْنَ " الْمَلَاحِدَةَ " وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ " الْقَرَامِطَةَ " وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ " الْبَاطِنِيَّةَ " وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ " الْإِسْمَاعِيلِيَّة " وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ " النُّصَيْرِيَّةَ " وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ " الخرمية " ، وَتَارَةً يُسَمَّوْنَ " الْمُحَرِّمَةَ " وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْهَا مَا يَعُمُّهُمْ ، وَمِنْهَا مَا يَخُصُّ بَعْضَ أَصْنَافِهِمْ ، كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ يَعُمُّ الْمُسْلِمِينَ وَلِبَعْضِهِمْ اسْمٌ يَخُصُّهُ إمَّا لِنَسَبٍ ، وَإِمَّا لِمَذْهَبٍ ، وَإِمَّا لِبَلَدٍ ، وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ . وَشَرْحُ مَقَاصِدِهِمْ يَطُولُ ، وَهُمْ كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهِمْ : ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمْ الرَّفْضُ ، وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ . وَحَقِيقَةُ أَمْرِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ ؛ لَا بِنُوحٍ ، وَلَا إبْرَاهِيمَ ، وَلَا مُوسَى ، وَلَا عِيسَى وَلَا مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ ، لَا التَّوْرَاةِ ، وَلَا الْإِنْجِيلِ ، وَلَا الْقُرْآنِ . وَلَا يُقِرُّونَ بِأَنَّ لِلْعَالَمِ خَالِقاً خَلَقَهُ وَلَا بِأَنَّ لَهُ دِيناً أَمَرَ بِهِ ، وَلَا أَنَّ لَهُ دَاراً يَجْزِي النَّاسَ فِيهَا عَلَى أَعْمَالِهِمْ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ . وَهُمْ تَارَةً يَبْنُونَ قَوْلَهُمْ عَلَى مَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ الطَّبِيعِيِّينَ أَوْ الْإِلَهِيِّينَ ، وَتَارَةً يَبْنُونَهُ عَلَى قَوْلِ الْمَجُوسِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النُّورَ ، وَيَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ الرَّفْضَ .
الفتاوى الكبرى — صفحة 507 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا