وَيَحْتَجُّونَ لِذَلِكَ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّاتِ : إمَّا بِقَوْلٍ مَكْذُوبٍ يَنْقُلُونَهُ ، كَمَا يَنْقُلُونَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ } وَالْحَدِيثُ .
مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ ؛ وَلَفْظُهُ { إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ الْعَقْلَ ، فَقَالَ لَهُ : أَقْبِلْ ، فَأَقْبَلَ .
فَقَالَ لَهُ : أَدْبِرْ ، فَأَدْبَرَ } فَيُحَرِّفُونَ لَفْظَهُ فَيَقُولُونَ { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ } ، لِيُوَافِقُوا قَوْلَ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَتْبَاعِ أَرِسْطُو فِي أَنَّ أَوَّلَ الصَّادِرَاتِ عَنْ وَاجِبِ الْوُجُودِ هُوَ الْعَقْلُ .
وَإِمَّا بِلَفْظٍ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ ، كَمَا يَصْنَعُ أَصْحَابُ " رَسَائِلِ إخْوَانِ الصَّفَا " وَنَحْوُهُمْ ، فَإِنَّهُمْ مِنْ أَئِمَّتِهِمْ .
وَقَدْ دَخَلَ كَثِيرٌ مِنْ بَاطِلِهِمْ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَرَاجَ عَلَيْهِمْ حَتَّى صَارَ ذَلِكَ فِي كُتُبِ طَوَائِفَ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ ؛ وَإِنْ كَانُوا لَا يُوَافِقُونَهُمْ عَلَى أَصْلِ كُفْرِهِمْ ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي إظْهَارِ دَعْوَتِهِمْ الْمَلْعُونَةِ الَّتِي يُسَمُّونَهَا " الدَّعْوَةَ الْهَادِيَةَ " دَرَجَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ ، وَيُسَمُّونَ النِّهَايَةَ " الْبَلَاغَ الْأَكْبَرَ ، وَالنَّامُوسَ الْأَعْظَمَ " وَمَضْمُونُ الْبَلَاغِ الْأَكْبَرِ جَحْدُ الْخَالِقِ تَعَالَى ؛ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِ ، وَبِمَنْ يُقِرُّ بِهِ ، حَتَّى قَدْ يَكْتُبُ أَحَدُهُمْ اسْمَ اللَّهِ فِي أَسْفَلِ رِجْلِهِ ، وَفِيهِ أَيْضاً جَحْدُ شَرَائِعِهِ وَدِينِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَدَعْوَى أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ جِنْسِهِمْ طَالِبِينَ لِلرِّئَاسَةِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحْسَنَ فِي طَلَبِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَسَاءَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى قُتِلَ ، وَيَجْعَلُونَ مُحَمَّداً وَمُوسَى مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَيَجْعَلُونَ الْمَسِيحَ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي .
وَفِيهِ مِنْ الِاسْتِهْزَاءِ بِالصَّلَاةِ ، وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ ، وَالْحَجِّ وَمِنْ تَحْلِيلِ نِكَاحِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، وَسَائِرِ الْفَوَاحِشِ : مَا يَطُولُ وَصْفُهُ .
وَلَهُمْ إشَارَاتٌ وَمُخَاطَبَاتٌ يَعْرِفُ بِهَا بَعْضُهُمْ بَعْضاً .
وَهُمْ إذَا كَانُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَكْثُرُ فِيهَا أَهْلُ الْإِيمَانِ فَقَدْ يَخْفَوْنَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُمْ ، وَأَمَّا إذَا كَثُرُوا فَإِنَّهُ يَعْرِفُهُمْ عَامَّةُ النَّاسِ فَضْلاً عَنْ خَاصَّتِهِمْ .
وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَا تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ ؛ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ مَوْلَاتَهُ مِنْهُمْ ، وَلَا يَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ امْرَأَةً ، وَلَا تُبَاحُ ذَبَائِحُهُمْ .
وَأَمَّا الْجُبْنُ الْمَعْمُولُ بِأنْفَحَتِهِمْ " فَفِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِلْعُلَمَاءِ ، كَسَائِرِ إِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ ، وَكَإِنْفَحَةِ ذَبِيحَةِ الْمَجُوسِ .
وَذَبِيحَةِ الْفِرِنْجِ الَّذِينَ يُقَالُ عَنْهُمْ : إنَّهُمْ لَا يُذَكُّونَ الذَّبَائِحَ .
فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ يَحِلُّ هَذَا الْجُبْنُ ؛ لِأَنَّ إِنْفَحَةَ الْمَيْتَةِ طَاهِرَةٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ ؛ لِأَنَّ الْإِنْفَحَةَ لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ الْبَهِيمَةِ ، وَمُلَاقَاةُ
الفتاوى الكبرى — صفحة 508
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٠٨