تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، بَلْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إجَابَةُ دُعَاءِ الشَّافِعِينَ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا . وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ } وَقَالَ : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ } . وَقَالَ تَعَالَى : { أَمْ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ، قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً } وَقَالَ تَعَالَى عَنْ صَاحِبِ " يس " : { أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً ، وَلَا يُنْقِذُونِ إنِّي إذاً لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ } . وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ : فَإِنَّهُمْ أَنْكَرُوا شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ ، وَهَؤُلَاءِ مُبْتَدِعَةٌ ضُلَّالٌ ، مُخَالِفُونَ لِلسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَلِإِجْمَاعِ خَيْرِ الْقُرُونِ . وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ : هُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، وَهُمْ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ ، أَثْبَتُوا مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَفَوْا مَا نَفَاهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ . فَالشَّفَاعَةُ الَّتِي أَثْبَتُوهَا هِيَ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الْأَحَادِيثُ . كَشَفَاعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إذَا جَاءَ النَّاسُ إلَى آدَمَ ، ثُمَّ نُوحٍ ، ثُمَّ إبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ مُوسَى ، ثُمَّ عِيسَى ، ثُمَّ يَأْتُونَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، قَالَ : { فَأَذْهَبُ إلَى رَبِّي ، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي خَرَرْتُ لَهُ سَاجِداً ، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِمَحَامِدَ يَفْتَحُهَا عَلَيَّ ، لَا أُحْسِنُهَا الْآنَ ، فَيَقُولُ : أَيْ مُحَمَّدُ ، ارْفَعْ رَأْسَكَ ، وَقُلْ : يُسْمَعُ ، وَسَلْ تُعْطَ ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ } ، فَهُوَ يَأْتِي رَبَّهُ سُبْحَانَهُ ، فَيَبْدَأُ بِالسُّجُودِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي الشَّفَاعَةِ شَفَعَ ، بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي نَفَاهَا الْقُرْآنُ كَمَا عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ وَالنَّصَارَى ، وَمَنْ ضَاهَاهُمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، فَيَنْفِيهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ ، مِثْلُ أَنَّهُمْ يَطْلُبُونَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ الْغَائِبِينَ وَالْمَيِّتِينَ قَضَاءَ حَوَائِجِهِمْ وَيَقُولُونَ : إنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا ذَلِكَ قَضَوْهَا ، وَيَقُولُونَ : إنَّهُمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى كَخَوَاصِّ الْمُلُوكِ عِنْدَ الْمُلُوكِ ، يَشْفَعُونَ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُلُوكِ ، وَلَهُمْ
الفتاوى الكبرى — صفحة 48 | ابن تيمية / مصطفى عبد القادر عطا / محمد عبد القادر أحمد عطا