عَلَى الْمُلُوكِ إدْلَالٌ يَقْضُونَ بِهِ حَوَائِجَهُمْ ، فَيَجْعَلُونَهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ شُرَكَاءِ الْمِلْكِ ، وَبِمَنْزِلَةِ أَوْلَادِهِ .
وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَ نَفْسَهُ الْمُقَدَّسَةَ عَنْ ذَلِكَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنْ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً } .
وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ ، فَقُولُوا : عَبْدُ اللَّهِ ، وَرَسُولُهُ } .
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَالزِّيَارَةُ الْبِدْعِيَّةُ : هِيَ مِنْ أَسْبَابِ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَدُعَاءِ خَلْقِهِ ، وَإِحْدَاثِ دِينٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ .
وَالزِّيَارَةُ الشَّرْعِيَّةُ : هِيَ مِنْ جِنْسِ الْإِحْسَانِ إلَى الْمَيِّتِ بِالدُّعَاءِ لَهُ ، كَالْإِحْسَانِ إلَيْهِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ ، وَهِيَ مِنْ الْعِبَادَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى الَّتِي يَنْفَعُ اللَّهُ بِهَا الدَّاعِيَ ، وَالْمَدْعُوَّ لَهُ ، كَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَبِ الْوَسِيلَةِ ، وَالدُّعَاءِ لِسَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ : أَحْيَائِهِمْ وَأَمْوَاتِهِمْ .
وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الْمُتَنَازَعُ فِيهَا : فَالزِّيَارَةُ الْمَأْذُونُ فِيهَا ، هَلْ فِيهَا إذْنٌ لِلنِّسَاءِ ، وَنَسْخٌ لِلنَّهْيِ فِي حَقِّهِنَّ ؟ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهَا ، بَلْ هُنَّ مَنْهِيَّاتٌ عَنْهَا ؟ وَهَلْ النَّهْيُ نَهْيُ تَحْرِيمٍ ، أَوْ تَنْزِيهٍ ؟ فِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَعْرُوفَةٍ ، وَالثَّلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ أَيْضاً ، وَغَيْرِهِمَا .
وَقَدْ حُكِيَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَدَ .
وَهُوَ نَظِيرُ تَنَازُعِهِمْ فِي تَشْيِيعِ النِّسَاءِ لِلْجَنَائِزِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يُرَخِّصُ فِي الزِّيَارَةِ دُونَ التَّشْيِيعِ ، كَمَا اخْتَارَ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ .
فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ النِّسَاءَ مَأْذُونٌ لَهُنَّ فِي الزِّيَارَةِ ، وَأَنَّهُ أَذِنَ لَهُنَّ كَمَا أَذِنَ لِلرِّجَالِ ، وَاعْتَقَدَ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَزُورُوهَا فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } خِطَابٌ عَامٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِي الْإِذْنِ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَزُورُوهَا " صِيغَةُ تَذْكِيرٍ ، وَصِيغَةُ تَذْكِيرٍ إنَّمَا تَتَنَاوَلُ الرِّجَالَ بِالْوَضْعِ ، وَقَدْ تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ أَيْضاً عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ ، لَكِنْ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ :
الفتاوى الكبرى — صفحة 49
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩