تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفتاوى الكبرى — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
قِيلَ : إنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ، وَحِينَئِذٍ فَيَحْتَاجُ تَنَاوُلُ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ إلَى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ دُخُولُ النِّسَاءِ بِطَرِيقِ الْعُمُومِ الضَّعِيفِ ، وَالْعَامُّ لَا يُعَارِضُ الْأَدِلَّةَ الْخَاصَّةَ الْمُسْتَفِيضَةَ فِي نَهْيِ النِّسَاءِ ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، بَلْ وَلَا يَنْسَخُهَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ . الْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يُقَالَ : لَوْ كَانَ النِّسَاءُ دَاخِلَاتٍ فِي الْخِطَابِ ، لَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ زِيَارَةُ الْقُبُورِ ، كَمَا اُسْتُحِبَّ لِلرِّجَالِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ بِعِلَّةٍ تَقْتَضِي الِاسْتِحْبَابَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } وَلِهَذَا تَجُوزُ زِيَارَةُ قُبُورِ الْمُشْرِكِينَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ زَارَ قَبْرَ أُمِّهِ ، وَقَالَ : { اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي ، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي ، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُكُمْ الْآخِرَةَ } . وَأَمَّا زِيَارَتُهُ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَذَلِكَ فِيهِ أَيْضاً الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ وَالدُّعَاءُ ، كَمَا عَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ إذَا زَارُوا قُبُورَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ ، وَيَدْعُوا لَهُمْ . فَلَوْ كَانَتْ زِيَارَةُ الْقُبُورِ مَأْذُوناً فِيهَا لِلنِّسَاءِ لَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ ، كَمَا اُسْتُحِبَّ لِلرِّجَالِ ، لِمَا فِيهَا مِنْ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَتَذَكُّرِ الْمَوْتِ . وَمَا عَلِمْنَا أَنَّ أَحَداً مِنْ الْأَئِمَّةِ اسْتَحَبَّ لَهُنَّ زِيَارَةَ الْقُبُورِ وَلَا كَانَ النِّسَاءُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ يَخْرُجْنَ إلَى زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، كَمَا يَخْرُجُ الرِّجَالُ . وَاَلَّذِينَ رَخَّصُوا فِي الزِّيَارَةِ اعْتَمَدُوا عَلَى مَا يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهَا زَارَتْ قَبْرَ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ فِي غَيْبَتِهَا وَقَالَتْ : لَوْ شَهِدْتُكَ لَمَا زُرْتُكَ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الزِّيَارَةَ لَيْسَتْ مُسْتَحَبَّةً لِلنِّسَاءِ ، كَمَا تُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاسْتُحِبَّ لَهَا زِيَارَتُهُ ، كَمَا تُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ زِيَارَتُهُ ، سَوَاءٌ شَهِدَتْهُ أَوْ لَمْ تَشْهَدْهُ . وَأَيْضاً فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ أَوْكَدُ مِنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ } ، وَفِي ذَلِكَ تَفْوِيتُ صَلَاتِهِنَّ عَلَى الْمَيِّتِ ، فَإِنْ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُنَّ اتِّبَاعُهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الصَّلَاةِ وَالثَّوَابِ ، فَكَيْفَ بِالزِّيَارَةِ ؟